١٧ تشرين وراهنيّة شعار “كلن يعني كلن”

١٧ تشرين وراهنيّة شعار “كلن يعني كلن”

تصوير جاد غريّب

علي مراد
في لحظة الانهيار الكبير، تغدو اليوم محاولات إعادة إحياء الصّراع الدّاخليّ بين مكوّنات المنظومة إدانةً إضافيّةً للمنظومة الحاكمة وسببًا إضافيًّا لاستكمال الضّغط عليها من أجل تنحيتها عن إدارة البلاد. في المقابل، ترافقت عودة النّاس إلى الشّارع، في مرحلة ما بعد الانحسار الأوّل لجائحة الكورونا مع تجذّر ١٧ تشرين من جهةٍ ومع انكشاف الوضع النّقديّ والاقتصاديّ بشكلٍ واضحٍ. هذه المعادلة جعلت المشهد أكثر تعقيدًا وضبابيّةً، لا سيّما مع مسار تقاذف المسؤوليّات بين أركان السّلطة الّتي (وعلى تناقضاتها) تحاول مجتمعةً إعادة عقارب السّاعة إلى زمن ماقبل 17 تشرين، إلى تلك الثّنائيّة القاتلة الّتي احتلّت المشهد السّياسيّ العامّ لخمسة عشر عامًا، ولم تنتج سوى انهيارًا على كلّ المستويات: الماليّة، الاقتصاديّة، الاجتماعيّة والحكوميّة.
في السّابق، كانت المسألة الاجتماعيّة مشروعًا للاستغلال السّياسيّ وتسجيل النّقاط السّلطويّة بين ٨ و١٤ آذار في صراعهما السّياسيّ؛ ففي حين كانت قوى الثّامن من آذار تستعمل الظّروف الاجتماعيّة كمنصّةٍ للتّصويب على مكامن الخلل في الحريريّة الاقتصاديّة وكأنّ مكوّناتها كانت خارج المسؤوليّة والشّراكة في إرساء نظام ما بعد الطّائف قافزةً عن كلّ تحالفاتها السّياسيّة والبلديّة منذ العام ١٩٩٢ وحتّى ما بعد الـ ٢٠٠٥، كان تحالف الرّابع عشر من آذار المرتبط إقليميًّا – وإن بعلاقةٍ أقلّ وضوحًا وصلابةً – يعتبر أنّ الموضوع الاجتماعيّ ليس سوى ورقة ابتزاز يستعملها الخصوم من أجل التّصويب عليها في سياق المعركة مع النّظام السّوريّ وحلفائه اللّبنانيّين، وإنّ الأولويّة هي الصّراع السّياسيّ الأوسع وهو الكفيل بتفسير كلّ شيءٍ بطريقةٍ تبسيطيّةٍ قائمةٍ على مواجهةٍ بين الخير المطلق والشّرّ المطلق، فيغدو معها كلّ شيءٍ آخر قابلًا للتّبرير أو للتّجاوز.
في هذا السّياق، أتت لحظة 17 تشرين لتحرّر المسألة الاجتماعيّة من التّقاذف السّلطوي الّذي استخدمها كمسألةٍ تكميليّةٍ ثانويّةٍ في السّياسة اللّبنانيّة. لا شكّ أنّ للانقسامات السّابقة سياقًا مفهومًا أو مبرّرًا في حينه، لكنّها اليوم أصبحت من غير قيمةٍ أو من الماضي بحدّها الأدنى. لكنّنا اليوم، وعلى وقع الشّارع، أمام مشهدٍ مختلفٍ كلّيًّا بحيث باتت المسألة الاجتماعيّة حجز الزّاوية، نقطة الارتكاز، وأضحى الموقف منها المعيار الأساس لتحديد علاقات التّحالف والخصومة السّياسيّة. اليوم، يتشكّل وعي عابرٌ للانقسامات السّابقة وتداعياتها على المجموعات والأفراد، وعي يتجذّر بشكلٍ تصاعديٍّ، وذلك بمعزلٍ عن مستوى الفعاليّة اليوميّة في الشّارع. لذا، فإنّ أيّ توجّهٍ نحو المفاضلة بين أطراف المنظومة السّلطويّة هو بمثابة انتحارٍ سياسيٍّ. ولأنّه لا مجال للمفاضلة بين الخصوم، فلا مناص من التّعامل معهم بصفتهم كتلةً مهيمنةً واحدةً. فالصّراع الاجتماعيّ يحتّم دقّة التّصويب في المعارك السّياسيّة واختيار عناوينها، دون منح الخصوم الامتياز في فرض إيقاع المواجهة عبر معارك سياسيّةٍ جانبيّةٍ وثانويّةٍ. وحدها الثّوابت كفيلةٌ بأن تحمي ١٧ تشرين من المتاهات من خلال التّماهي بين: مواجهة منظومةٍ ماليّةٍ سياسيّةٍ، هي نتاج تحالف أمراء الحرب ولصوص إعادة الإعمار مع المقاولين والمصرفيّين؛ مواجهة منظومةٍ سياسيّةٍ ماليّةٍ حاكمةٍ تتبدّل أطرافها وشخصيّاتها لكنّها في الجوهر لا زالت كما هي؛ وبين مواجهة محاولاتها تحميل النّاس العاديّين من عمّال وموظّفين وفلّاحين وطلّاب ومتعطّلين عن العمل كلفة الانهيار، لا سيّما بعدما أصبح صندوق النّقد الدّوليّ على الأبواب.
ربّما أصبح “كلن يعني كلن” شعارًا مأزومًا، كما يصفه بعض المعترضين بأنّه يرمز إلى رؤيةٍ أحاديّةٍ للعمل المطلبيّ وللحراك الاجتماعيّ، وأنّه بمطلقاته سيفضي حتمًا إلى تكبيل رافعيه وحرمانهم من أيّ هامشٍ للمناورة ومن القدرة على التّفاوض المباشر أو غير المباشر مع السّلطة إذا ما دعت الحاجة. لكنّه يبقى التّعبير الأسطع عن المسؤوليّة المشتركة للقوى السّياسيّة حول مآل الوضع القائم. كما أنّه يبقى الشّعار الأكثر مناعةً بوجه محاولات التّخوين والتّرهيب والتّوظيف. هو شعارٌ يراكم يومًا بعد يومٍ المزيد من المشروعيّة الثّوريّة بصفته التّكثيف الأبسط لطبيعة المواجهة، حتّى مع أحزاب السّلطة الّتي قفزت من القارب ولا زالت تحاول استغلال ما يجري في الشّارع كي تحسّن من شروطها التّفاوضيّة داخل المنظومة السّلطويّة.
هكذا، بالمعنى التّاريخيّ للسّياسة في لبنان، أنهت ١٧ تشرين زمن القراءات الثّنائيّة المتهافتة؛ ومهما حاول أيتام ٨ و١٤ آذار إعادة إحياء موميّاتهم السّياسيّة، فإنّ فرز البلاد بين عملاء ووطنيّين، بين محبّين للحياة وآخرين عاشقين للموت، لا يستقيم بعد اليوم. فالنّاس اليوم أمام من يريد إنقاذ البلد بمسؤوليّةٍ عبر تغيير طريقة إدارة الحكم، وبين من يصرّ على إعادة تدوير النّظام القائم. على النّاس الثّائرة ألّا تتخلّى عن المبادرة وأن تضع حدودًا لكلّ محاولات التّسلّل من قبل أحزاب السّلطة البائدة، وذلك عبر استمرار المواجهة مع السّلطة في الشّارع في سبيل تعديل ميزان القوى لصالح الفئات الوسطى والأكثر فقرًا عند توزيع كلفة الانهيار.
إلى هذا الحين، راهنيّة هذا الشّعار لم تستنزف بعد. بل أكثر من ذلك، شعار “كلن يعني كلن” لم يكن راهنًا كما هو عليه اليوم.