الماضي حاضرٌ بقوّة

الماضي حاضرٌ بقوّة

تصوير زكريا جابر

هالة كوثراني

لا أدّعي أنّ ذاكرتي قويّةٌ. وإذا تذكّرتُ خريطة العائلة الجينيّة، سكنني هوس التّذكّر والنّسيان. لا أدّعي أنّ ذاكرتي قويّة، لكن ثمّة مشاهد لا تفارقني من يوميّات طفولتي خلال الحرب الأهليّة في لبنان. ثمّة مشاهد أعرف أنّني عشتها وما تخيّلتها مثلما يمكن أن توهمني المخيّلةُ الرّوائيّة. أعرف من أهلي والآخرين، من الماضي وما بقي منه. هي مشاهد لم تفارقني حتّى بتُّ أتنفّسها. أشعر أنّني أتنفّس مشاهدَ من ذاكرة حربٍ، هي مسخٌ برؤوسٍ كثيرةٍ، مسخٌ لا يُقتل ولا ينتحر ولا يموت ميتةَ ربّه. 

من مشاهد الذّاكرة وجه شقيقي الأصغر في السّادسة أو السّابعة وهو يتحرّك بحثًا عن معطفه، في شهر آب، حين أعلنت أصوات المعركة في الشّارع القريب أنّ العزف القاتل سيبدأ. 

يصعب، أيضًا، نسيان أسباب المعارك بسبب تفاهتها: علمٌ حزبيٌّ أزيل هنا، صورة زعيم ميليشيا مُزّقت هناك، نشيدٌ تافهٌ مقزّزٌ سُمعت ألحانه في الحيّ الآخر أو في حيٍّ يقع تحت سيطرة الآخرين… كما يصعب نسيان أسماء قادة المعارك من جلّادي الميليشيات: “أبو الموت”، “أبو الجماجم”، “أبو حَديد”… ثمّ مسرحيّات “الصّلح” بين قادة الجلّادين الصّغار. 

لم أنسَ الأسماء لأنّها لم تنسَني. الأسماء نفسها الّتي تحكّمت بطفولتي وشباب والديّ، لم تغب بل توّجت نفسها عرّابة السّلم واحتلّت الدّولة والبلد والعقول والأموال والأحلام والماضي والمستقبل. الأسماء نفسها وأعلام الأحزاب نفسها بالألوان نفسها تعذّبني بالتّذكّر. عادةً، أنسى ما أريد ألّا أتذكّره. أدرّب نفسي على النّسيان وأنجح. لكنّهم يطاردونني، يمنعونني من علاجٍ ابتكرته لنفسي، علاج “التّناسي” الّذي يصبح نسيانًا.

ثمّ، إنّ الكتابة الّتي اختارتني قبل أن أختارها مهنةً، والكتابة الرّوائيّة تحديدًا، تقوم على نتفٍ من الذّاكرة ولا تختفي، بل تفرض نفسها مهما اختلفت أطر الكتابة وأحداث الرّوايات. تصبح مشاهد الذّاكرة الّتي تقفز دومًا إلى الواجهة “رموزًا”، كما عبّر الرّوائيّ اليابانيّ هاروكي موراكامي. 

الذّاكرة اللّعينة ملهمةٌ. وقد ألهمتني التّعبير بالكلمات. قرأنا ما كتبه جيل الحرب من الرّوائيّين عن الحرب وعبثها وغبائها، عن عنف المعارك ويوميّات البؤس. ثمّ، كتبنا عن ما بعد الحرب حين قيل لنا “إنّنا نعيش زمن إعادة الإعمار والفرص الذّهبيّة”. وكنّا ندور حول أنفسنا بحثًا عن الفرص والذّهب وإعمار النّفوس المهدّمة. نصفّي حساباتنا مع المكان الّذي نتمسّك به ويطردنا. نلبس قناع الأمل، فيخذلنا الأمل. كيف تمحو الذّاكرةَ؟ كيف تلغي وحوشها؟ إقرار قانون العفو العامّ لا يعني أنّ الماضي لم يحصل. الماضي حاضرٌ بقوّةٍ. هذا ما كتبناه في الرّوايات.

من ناحيةٍ أخرى، تطبّق فعليًّا على الأرض نيّةُ تثبيت الماضي في الحاضر. الأعلام وصور السّياسيّين والنّصب التّذكاريّة وكلّ ما يستحضر الحرب الأهليّة وغيرها من الحروب، كلّها حاضرةٌ خلف قناع “ثقافة المكان” الّتي أصبحت بصريًّا جزءًا من جغرافيّته. هكذا، يُفرض على العابرين والماكثين أن يعيشوا أجواء الماضي الّذي قدّم المجد والسّلطة لأمراء الحرب. فولكلور الصّور والأعلام العريضة الطّويلة المحتلّة الملوّثة هدفه تجميد الزّمن، ذلك الزّمن الّذي أوصلنا إلى هذا الحاضر. كأنّنا في صورةٍ، ممنوعٌ علينا أن نتحرّك ضمن إطارها. يضيق النّفَس، وتضيق معه فكرة الوطن والمساحات الّتي كانت جزءًا من ذكرياتٍ جميلةٍ، فنحشر أنفسنا في هامشٍ أو فقّاعةٍ ونحاول أن نتناسى. هذا تمامًا ما برعنا به قبل ١٧ تشرين الأوّل. 

تأخّرتْ لحظة ١٧ تشرين لأنّ المسخ برؤوسه الكثيرة، بصوَره وأعلامه وأناشيده والدّم الّذي هو قناعه وزيّه، أبعد اللّحظة حتّى أصبحت مستحيلةً، حتّى نمنا. لعلّ توق اللّبنانيّين إلى الحياة العاديّة، بعد موتٍ استمرّ خمسة عشر عامًا، كان هو المنوّم على قاعدة: هي حياةٌ واحدةٌ، فلنحيَها. لنرضَ بعقبات الذّلّ. لنستغنِ عن حقوقنا. لنغضّ النّظر عن الجرائم الجنائيّة والسّياسيّة والقانونيّة والضّريبيّة والبيئّية… فقط لنحيَ، وإن كنّا مقهورين مشوّهين مدمّرين مغبونين.

ونجد مَن يسألنا: لماذا تحوّلون السّخط على السّياسيّين حقدًا شخصيًّا؟ نعم! هو حقدٌ شخصيٌّ، لأنّ مَن سرق جزءًا من طفولتي وأجمل أعوام والديّ، يهدّد مستقبل ولديّ في بلدهما. 

ونعم! هي انتفاضةٌ على الذّات أيضًا، سمحتْ بأن نستعيد احترامنا لأنفسنا وبأن نطالب أنفسنا بالوضوح: أين نقف؟ ومَن نحن؟ ومَن يريد أن يغرينا بمكاسب المذهب وقوّة الطّائفة؟ 

بعد ١٧ تشرين، غربلنا وقوّمنا الأمور والأشياء بأشدّ وضوحًا، من العلاقات بالآخرين إلى الأولويّات. وإلى مَن لا يزال يتساءل عن إنجازات انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل، تكفي صرخة لا، كانفجارٍ تأخّر ثلاثين عامًا أو خمسةً وأربعين عامًا، وربّما تأخّر منذ ولادة لبنان الكبير الّذي “نحتفل” هذا العام بمئويّته الأولى. وإلى مَن يشكّك بالمشهد، مشهد اللّبنانيّين مجتمعين حول العلم اللّبنانيّ، إلى “المتذاكين” الّذين يرون في حماستنا سذاجةً، نطمئنهم بأنّه لم يكن مشهدًا روائيًّا متخيّلًا بل هو مشهدٌ حقيقيٌّ لا يمكن إلغاؤه أو إخراجه من التّاريخ أو إنكار حدوثه. 

منذ ولدنا، نحاول تفادي الموت في هذا الوطن، الموت الجسديّ والمعنويّ. فكيف لا نسارع إلى تنفّس أوكسيجين الأمل؟

في هذه المرحلة، كلّ تجمّعٍ ولقاءٍ ومظاهرةٍ ومسيرةٍ هي فرصةٌ لاستعادة الكرامة، لرفض الذّلّ والاستغباء واحتقار الجهلة. 

نعم! هي حياةٌ واحدةٌ، فلمَ نقبل أن نحياها أذِلّاء؟