النّظام الطّائفيّ في لبنان، إلى أين؟

النّظام الطّائفيّ في لبنان، إلى أين؟

ساحة الشهداء خلال فترة التعبئة العامة | تصوير نبيل اسماعيل

د. فؤاد سلامة

يغرس النّظام الطّائفيّ اللّبنانيّ جذوره التّاريخيّة في نظام المتصرّفتين الّذي أنشأه العثمانيّون في جبل لبنان وتمّ ربطه بالباب العالي في اسطنبول. كانت المناطق الأخرى من لبنان الحاليّ ملحقةً بالولايات السّوريّة والفلسطينيّة التّابعة بدورها للسّلطنة العثمانيّة.

الصّراع الدّامي المارونيّ الدّرزيّ تمّ ضبطه في إطار المتصرّفتين لفترةٍ طويلةٍ. وبعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى وهزيمة تركيّا، تمّ تركيب لبنان الكبير باقتطاع الشّمال والجنوب والبقاع وبيروت وضمّها مع جبل لبنان إلى الدّولة الجديدة. احتفظ لبنان الكبير الواقع تحت الانتداب الفرنسيّ بنظام الملل العثمانيّ الّذي يرعى العلاقة بين الطّوائف، وكرّس الفرنسيّون هذا النّظام الطّائفيّ في دستور الانتداب عبر ما سمّي بالميثاق الوطنيّ الّذي تخلّى فيه المسلمون عن مطالبتهم بعروبة لبنان وولائهم لسوريا، وتخلّى فيه المسيحيّون عن مطلب الحماية والرّعاية الفرنسيّة لهم.

أصبح لبنان المستقلّ، بعد جلاء الانتداب الفرنسيّ، بلدًا مرتكزًا على ثنائيّةٍ طائفيّةٍ مكرّسةٍ في الميثاق وهو الجزء غير المكتوب من الدّستور؛ وهي كانت بالأساس ثنائيّةً سنّيّةً مارونيّةً، لعب فيها مسيحيّو لبنان الدّور الرّئيسيّ سياسيًّا واقتصاديًّا بالأخصّ. وقد عرف لبنان خلال عقدين ونصف من الزّمن ازدهارًا لم يشهده محيطه العربيّ. ركيزة ذاك الازدهار الاقتصاديّ كانت السّياحة والتّرانزيت أي إعادة التّصدير، وشكّلت المصارف سرّيّة وحرّيّة حركة الأموال من خلالها، العامود الرّئيسيّ للاقتصاد اللّبناني. يمكن القول أنّ لبنان الحديث تشكّل حول المصرف والمرفأ والمطار، وكانت حركة التّجارة والسّياحة والأموال في المنطقة تمرّ من خلال المرفأ والمطار والمصارف اللّبنانيّة. وفيما بعد، لعبت المستشفيات والجامعات الخاصّة الّتي استقطبت النّخب العربيّة والأغنياء العرب، دورًا مهمًّا في تعزيز الدّور الاقتصاديّ العربيّ للبنان وفي تأمين درجةٍ مرتفعةٍ من الرّخاء والبحبوحة للّبنانيّين.

الفترة الذّهبيّة للبنان كانت في العهد الشّهابيّ، الّذي تلا هزّةً سياسيّةً أمنيّةً كبيرةً حصلت في العام ١٩٥٨. ذلك العهد حصلت خلاله إصلاحاتٌ إداريّةٌ وبنيويّةٌ مهمّةٌ، وتأمَّن عبر شبكة كهرباء وطرقاتٍ واسعةٍ ربط المناطق والأرياف النّائية بالعاصمة بيروت. كان لبنان، بفضل رئيسٍ زاهدٍ مستنيرٍ ورؤيويٍّ، في طريقه نحو الشّفاء من الجروح والتّوتّرات الطّائفيّة الّتي أطلّت برأسها في أحداث ١٩٥٨. 

مع دخول المسلّحين الفلسطينيّين المكثّف إلى لبنان في العام١٩٧٠ إثر طردهم من الأردن، لعب النّظام البعثيّ في دمشق لعبته الخطيرة الأولى، بإدخال لغمٍ كبيرٍ إلى لبنان لن يتأخّر انفجاره من خلال الصّراع بين الجيش اللّبنانيّ والفصائل الفلسطينيّة. صراعٌ تمّت قوننته في اتّفاق القاهرة الّذي أعطى للفلسطينيّين حقّ بناء قوّةٍ عسكريّةٍ في منطقة العرقوب الّتي صارت تعرف بـ “فتح لاند”.

مع بداية الحرب الأهليّة في عام ١٩٧٥، دخل لبنان نفق الحروب المتناسلة حيث اختلط التّدخّل السّوريّ بالتّدخّل الفلسطينيّ بالتّدخّل الإسرائيليّ بالتّدخّل المتعدّد الجنسيّات بالحرب الأهليّة بين المسلمين والمسيحيّين. شكّل مؤتمر الطّائف وما صدر عنه من تعديلاتٍ دستوريّةٍ نهاية مرحلة “لبنان المسيحيّ” المستقلّ، وبداية مرحلة الوصاية السّوريّة على لبنان، وصايةٍ ارتكزت على وجود وسيطٍ لبنانيٍّ اتّخذ شكل تحالف أمراء الحرب والمال (الشّيعة والسّنّة والدّروز) الّذين التحق بهم بعد خروج الجيش السّوريّ من لبنان في العام ٢٠٠٥ عقب اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريريّ. التحق بهم أمراء الحرب والمال المسيحيّون. الوصاية الإيرانيّة حلّت بعد حرب تموز ٢٠٠٦ محلّ الوصاية السّوريّة، واكتمل عقد تحالف أمراء الحرب والمال المسلمين والمسيحيّين ليتشكّل نظام المناهبة الفريد في تاريخ لبنان. نظام يمكن إعطاؤه صفة المافيوقراطيّة أو الكلبتوقراطيّة، حيث تتولّى إدارة الدّولة وتتحكّم باقتصادها وماليّتها وموازناتها وخدماتها شبكةٌ أخطبوطيّةٌ من كبار اللّصوص المُدينين بوجودهم وسلطتهم لأقلّ من عشرةٍ من الزّعماء أصحاب الثّروات الفلكيّة، المرتهنين بدورهم للقوى الإقليميّة.

منذ عقدين من الزّمن، تمّ تركيب ثنائيّةٍ طائفيّةٍ يُفتَرَض أنّها حلّت محلّ الثّنائيّة الطّائفيّة الّتي نهض لبنان الحديث عليها. وفي الواقع، أصبح لبنان بأسره بلد اللّادولة واللّادستور واللّاقانون، بلدًا استثنائيًّا في طريقة حكمه وإدارته وعلاقة الحكّام بالمحكومين.

لبنان يدار منذ ثلاثة عقودٍ بواسطة مجموعةٍ صغيرةٍ من أمراء السّياسة، ومع الوقت أصبح أمراء السّياسة أمراء المال أيضًا. انتهى هؤلاء القادة الّذين وضعهم اتّفاق الطّائف في سدّة السّلطة، بمعونة الخارج، بإحكام سيطرتهم على عالمي السّياسة والمال في لبنان، فسيطروا على القطاع العامّ وبسطوا هيمنتهم على القطاع الخاصّ وعلى رأسه المصارف الّتي شكّلت العامود الرّئيسيّ للاقتصاد اللّبنانيّ.

إفلاس الدّولة والمصارف اليوم، يعني انهيار أسس النّظام اللّبنانيّ الطّائفيّ واستحالة العودة إلى دولةٍ تتحكّم بمفاصلها طغمةٌ سياسيّةٌ ماليّةٌ صغيرةٌ يقوم نفوذها على تغذية الصّراعات الطّائفيّة واستعمال الدّين ورجاله في خدمة مآرب ومصالح قلّةٍ من النّافذين وحاشياتهم.

يسير لبنان منذ انتفاضة ١٧ تشرين على طريق الجلجلة. انهيارٌ ماليٌّ واقتصاديٌّ واجتماعيٌّ شامل، بطالةٌ لا مثيل لها في العالم، حصارٌ ماليٌّ خانق، حجرٌ صحّيٌّ ضاغط، وضعٌ خدماتيٌّ كارثيّ، فقدان المودعين لأموالهم في البنوك، إذلالٌ يوميٌّ للنّاس يزيده قسوةً تبجّح وعنجهيّة الطّبقة السّياسيّة وتمسّكها بالسّلطة.

لا حلول تلوح في الأفق القريب، والحكومة تَعِد النّاس بالمزيد من الضّرائب وإجراءات التّقشّف الّتي سيفرضها اللّجوء إلى صندوق النّقد الدّوليّ.

لا حلّ للّبنانيّين ببقاء الشّبكة المافيويّة ممسّكةً برقابهم وبأرزاقهم وبمستقبلهم ومستقبل أبنائهم. لا حلّ غير الّذي تطرحه قوى الانتفاضة الّتي، مهما اختلفت على بعض التّفاصيل، فإنّها تبقى موحّدةً ومصرّةً على قيام الجمهوريّة الثّالثة، الجمهوريّة المدنيّة الاجتماعيّة اللّامركزيّة، المرتكزة على عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ يجعل من لبنان بلدًا مستقلًّا سالمًا ومُحيَّدًا عن صراعات الإقليم، بلدًا آمنًا ومزدهرًا بطاقات أبنائه وبناته المقيمين والمغتربين.