‏الدّولة المدنيّة… أو الخراب

‏الدّولة المدنيّة… أو الخراب

عائلة الشهيد فؤاد السمّان – تصوير حسين بيضون

مايا نعمة

“أنتم أيّها السّياسيّون، آفة لبنان وبلاؤه وانحرافه ومرضه وكلّ مصيبة. أنتم الأزمة. ارحلوا عن لبنان!”

بين خطاب السّيّد موسى الصّدر واليوم، مضى خمسةٌ وأربعون عامًا. أمّا المعضلة فبقيت كما هي: إنّها السّياسة في لبنان ونظام الحكم الطّائفيّ فيه, والتي أفرغت السّياسة من مضمونها الحقيقيّ، واختصرتها بالطّائفيّة.

الطّائفيّة ليست طارئة التّكوين أو وليدة سنوات ما قبل الحرب الأهليّة وما بعدها. انوجدت الطّائفيّة، بشكلها الحديث، منذ ما قبل حقبة فخر الدّين المعنيّ وبشير الشّهابيّ. هكذا، جرت الأمور منذ حقبة المماليك وبعدها حقبة العثمانيّين. أمّا القوى الخارجيّة، فكانت ولا تزال دائمة التّدخّل، تمظهرت بقوّةٍ من خلال نظام المتصرّفيّة، وصار يُقال بلد القناصل أنا هنا! 

لم يُتح للبنان الوقت الكافي، ولا الظّروف الموضوعيّة، ليُفاضل مواطنوه بين الانتماء الوطنيّ والانتماء الطّائفيّ. لا يزال منقسمًا حول هويّته الأساس؛ بعد أن  طبّعت الحرب الأهلية الخلل المجتمعيّ الحاصل، وكدّست ضحايا من كل الطوائف نزحوا وهاجروا، وصدّرت الطّاقات الفاعلة إلى الخارج، قبل أن يُتوّج كل هذا بنظام حكمٍ جديدٍ ولد في الطّائف بالسّعوديّة، برعايةٍ أميركيّةٍ – سعوديّةٍ – سوريّةٍ، وصادق عليه المجلس النّيابيّ عام 1989. تحوّل ذاك الاتّفاق إلى ما يشبه الدستور. أتت بعده انتخاباتٌ نيابيّةٌ وتشكّلت حكومة رفيق الحريري الأولى. لم يعش لبنان الانتقال من الحرب الأهليّة إلى السّلم، فبقي الجمر تحت الرّماد، وعند هبوب أيّ ريحٍ خارجيّةٍ تعصف في لبنان، كان “السّلم الأهليّ” يتهدّدً.

 أثبت نظام التوافق الطائفي، على أشكاله، انّه ينتج سلماً ركيكاً ومؤقتاً وحرباً دائمة ومتنوّعة الأشكال. وحتى في سلمه، يأتي بكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة. كلّ شيءٍ جُرّب وفق النّظام الطّائفيّ، أما آنَ أن نصل إلى قناعةٍ أنّ هذا النّظام عصيٌّ على الإصلاح، وأنّه لا بدّ من البحث في شكل نظامٍ جديدٍ، تكون قاعدته الأساس هي اللّاطائفيّة، بعدما عرفنا وأدركنا أنّ تلك الطّائفيّة كانت دومًا هي النّافذة الّتي تدخل منها الشّرور

ما الّذي تغيّر اليوم؟ وهل هناك فرصةُ تحوّلٍ تاريخيٍّ للبنان القائم على تشنّجٍ قبليٍّ والخوف الدائم من الآخر؟  

نشهد اليوم أزمة نقديّة، وأزمة اقتصاديّة، وأزمة سياسيّة، في نفس الوقت. لم تتكدّس هذه الأزمات في تاريخ لبنان. نحن أمام مفصلٍ تاريخيٍّ دقيقٍ، والوقت عاملٌ أساس في هذه المرحلة. مع مروره، تتدهور الأمور أكثر فأكثر ماليًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. وقد بدأت تظهر بوادر هذا التّدهور بالمظاهرات وأعمال العنف. إنّ السّلطة السّياسيّة الحاليّة، المحكومة بالتّحاصص الطّائفيّ الضّيّق، غير قادرةٍ على إدارة الأزمة الجارفة. لا بدّ أن يأتي الحلّ من خارجها، من جهةٍ غير مشاركةٍ بالإرث اللّعين لهذه البلاد، وببنيةٍ ورؤيةٍ وسمعةٍ غير طائفيّة.

في هذا السياق، تطرح حركة “مواطنون ومواطنات في دولة” إقامة دولةٍ فعليّةٍ مكتملة المقوّمات في لبنان؛ دولةٍ مدنيّةٍ، ديمقراطيّةٍ، عادلةٍ وقادرةٍ. إضافةً إلى استعادة قيمة العمل العامّ وتثبيت جدواه، وذلك بدعوة المواطن، عبر الإنتاج المعرفيّ وعبر التّجارب النّضاليّة، إلى اعتماد خيار إقامة الدّولة كونها الضّمان لحقوقه الأساس ولكرامته الإنسانيّة.

يحمل هذا الطرح تحذيرًا من الخراب الشّامل، إذا ما استمرّت السّلطة بالمراوغة عبر حكومة الواجهة الحاليّة، بهدف شراء الوقت لا أكثر. المجتمع برمّته اليوم مهدّدٌ ببقائه. الانتقال من منظومة التّحاصص الطّائفيّ والارتهان للخارج إلى الدّولة المدنيّة لا يحتاج إلى تغييرٍ في موازين القوى، بل إلى توضيح الخيارات القليلة المتاحة أمام هذه المنظومة، ومخاطر هذه الخيارات على المجتمع بدءًا بالنّاس وصولًا إلى الزّعماء. الخيارات هي كالتالي: إمّا ارتهان هؤلاء الزّعماء لصراعات الخارج، وبالتّالي تعريض الجيش والمقاومة للابتزاز المتواصل تبعًا لمصالح الخارج، أو التّفتّت من الدّاخل عبر حروبٍ داخليّةٍ وانقساماتٍ مناطقيّةٍ طائفيّة. من هنا، يصبح الخيار الثّالث، أي تنظيم التّفاوض حول انتقالٍ سلميٍّ للسّلطة، كدعوةٍ صادقةٍ آتيةٍ من قلب هذا المجتمع وحريصةٍ عليه… بهذا الخيار فقط يصان المجتمع وتبنى الدّولة. وفي الوقت نفسه، تحافظ الطوائف وأحزابها على وجودها الذي تضمنه مدنيّة الدولة. أمّا إذا وقع السّقف، ألا يقع على رؤوس الجميع؟

أختم بقولٍ للسّيّد موسى الصّدر مجدّدًا: “الإنسان يحمل الحقد المقدّس الموجّه ضدّ سلبيّةٍ أو انحرافٍ صامتٍ، يتكلّم للدّعوة، يتكلّم لاجتذاب الجمهور، يتكلّم لتوعية النّاس.” فأيّ لبنان سيولد اليوم؟ وهل ستكون مأساتنا هي قدرنا؟