الكرامة ليست حلمًا

الكرامة ليست حلمًا

تصوير جاد غريب

آدم شمس الدين

عام ٢٠١٢ ومع اشتداد الأزمة الماليّة والمعيشيّة في اليونان، نظّمت فنّانةٌ يونانيّةٌ تدعى “دانا ستراتو” معرضًا يحوي على مئات الصّناديق السّوداء، وفي كلّ صندوقٍ وضعت كلمةً واحدةً هي جوابٌ لسؤالٍ كانت قد سألته على مواقع التّواصل الاجتماعيّ لليونانيّين: “ما هو أكثر شيء تخافون من خسارته؟” خلافًا لما كان متوقّعًا بأن يكون الجواب (العمل، معاشي التّقاعديّ، مدّخراتي…)، فالجواب الّذي اختارته الأكثريّة من اليونانيّين كان كلمة “كرامتي”. في العام نفسه، سجّلت جزيرة “كريت” اليونانيّة المعروفة بكبرياء سكّانها أكبر نسبة انتحارٍ بعد أن فقد جزءٌ كبيرٌ منهم منازلهم وأعمالهم.

الكرامة هذه هي ذاتها الّتي يتظاهر جزءٌ كبيرٌ من اللّبنانيّين اليوم، خوفًا من خسارتها؛ يفقدون أعينهم ولا يهابون، يُقنّصون ولا يتراجعون. لم يعد خافيًا على أحدٍ أنّ الموجة الثّانية من الانتفاضة باتت قريبةً. فيروس كورونا والخوف منه لم يعودا قادرين على حجر الخوف من الجوع والإهانة والعودة إلى الانتظار على أبواب الأفران ومحطّات الوقود. الخوف من اختبار حياةٍ كانت، حتّى ماضٍ قريبٍ، مجرّد ذكرياتٍ يرويها آباؤنا وأمّهاتنا، ومن كثرة تردادها باتت أشبه بنقّ لمعايرتنا بأنّ ما نعيشه من مصاعب لا يقارن بما اضطرّوا أن يجتازوه. الخوف في قلوبهم من فقدان السّلم الّذي تحقّق على جثث أكثر من ٢٥٠ ألف قتيل، وتجاهل ذكرى أكثر من ١٧ ألف مفقود، يكبّلانهم، يكبحان غضبهم… أيّ حياة، مهما بلغ الذّلّ فيها، تبقى أفضل من العودة إلى ذلك الزّمن. يردّدون دائمًا أنّهم حاولوا وحلموا، كما نحلم اليوم، بحياةٍ مختلفةٍ بأبسط الحقوق؛ وتعلّموا/تعلّمنَ أنّ الأحلام في هذه البلاد تمارس داخل البيوت المغلقة وليس في الفضاء العامّ.

الجدران ضاقت بالأحلام. تسلّل بعضها إلى الخارج ولم تعد البيوت قادرةً على حجزها وحجرها. أولئك الّذين ملؤوا السّاحات في السّابع عشر من تشرين، كانوا قبل ذلك يحلمون سرًّا. لم يدركوا إلّا في تلك اللّحظة أنّهم كثر، آلاف، مئات الآلاف. جمعتهم أحلامٌ مشتّتةٌ وغير موحّدةٍ. عايرتهم السّلطة بأنّهم بلا مطالب واضحة وممثّلين عنهم. أولئك الّذين أوصلوا البلاد إلى حافّة الجحيم، يطالبون النّاس بمطالب موحّدةٍ! وصلت الوقاحة بالبعض أن يسألوا عن خطّةٍ،  عن تصوّرٍ ما لمرحلةٍ مقبلةٍ. ماذا كانت تفعل السّلطة طوال ثلاثة عقود إذًا؟ تمارس السّرقة والفساد والفتنة في العلن مطمئنّةً أنّ الأحلام تمارس في السّرّ. سقطت المعادلة وانهار كلّ شيءٍ. حتّى الخائفين من عودة الحرب، باتوا يستحضرون ذكرياتٍ من نوعٍ آخر: “كان في حرب بس كنّا عايشين”، “كان في حرب بس كان في مصاري.” لا شيء أكثر رعبًا من الموت سوى الجوع.
اليونانيّون الّذين وضعوا كلمة كرامةٍ في الصّناديق السّوداء عام ٢٠١٢، كانوا أمام استحقاقٍ شبيهٍ من نوعٍ آخر بعد ثلاث سنواتٍ. طلب من اليونانيّين التّصويت بنعم أو لا على استفتاءٍ حول سؤالٍ بسيطٍ: “هل تقبلون بخطّة الإنقاذ المقترحة من الاتّحاد الأوروبيّ للخروج من الأزمة؟” السّؤال كان ينطوي على معادلةٍ مفادها القبول بقرضٍ بمليارات الدّولارات مصحوبًا برزمةٍ ضرائبيّةٍ و”إصلاحاتٍ” ستزيد الأعباء على الطّبقة المتوسّطة والفقيرة، أو رفضه، ما يهدّد إخراجهم من منطقة اليورو تهديدًا شاملًا يصل إلى حدّ تعريض الأمن الغذائيّ للخطر، أي أنّ اليونانيّين خيّروا ما بين الجوع أو الاستدانة. جاءت النّتيجة مدوّيةً وتاريخيّةً لأوّل مرّةٍ في تاريخ الاستفتاءات في الاتّحاد الأوروبّيّ، وكانت نتيجة 63 في المئة رافضةً للاستدانة. اختار اليونانيّون الجوع بكرامةٍ بدلًا من ذلّ الاستدانة. لا مجال للمقارنة هنا بين اليونانيّين واللّبنانيّين، على أنّ الكرامة عابرةٌ للشّعوب.

اليوم، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، وضعت السّلطة اللّبنانيّين كما وضعتهم دائمًا أمام خيارين: إمّا القبول بواقع العيش في ظلّ نظامٍ سياسيٍّ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ دينيٍّ تحت التّهديد بإراقة الدّماء، أو التّجرّؤ على الحلم ودفع مقابله أثمان باهظة. 

آدم شمس الدّين