بين المسؤول والزّعيم: جدل السّلطة في لبنان

بين المسؤول والزّعيم: جدل السّلطة في لبنان

تصوير حسين بيضون

د. أحمد الحلّانيّ

في عالمنا العربيّ، تختلط المصطلحات وتتداخل إلى أن يتعذّر الفصل بينها، إلّا من حيث الرّسم. وغالبًا ما يشيع بين النّاس استخدامُ مصطلحٍ بدلًا من آخر، وذاك لغموضٍ في المدلول أو سوء استخدامٍ قديمٍ. ولا يشكّل المصطلحان الواردان في الشّطر الأوّل من عنوان هذه المقالة استثناءً، إذ غالبًا ما يحلّ الزّعيم مكان المسؤول، لغةً وواقعًا. ولكن، كيف يتأتّى له ذلك؟

أمّا من حيث اللّغة، فيحتلّ مصطلح الزّعيم ومشتقّاته وتوابعه من عصبويّةٍ ورعيّةٍ وأتباع ومصالح في أدبيّات السّياسة اللّبنانيّة (وهي نسخةٌ غرائبيّةٌ خاصّةً) مكان مصطلح المسؤول وما يترتّب عليه من مساءلةٍ ومحاسبةٍ وعلاقةٍ تبادليّةٍ بين المسؤول والشّعب. وإذا كان المصطلح الأوّل يخرج من جذر “زَعَمَ”، وما أكثر مزاعم الزّعيم، فإنّ المصطلح الثّاني يبقى أمينًا لجذره “سَأَلَ” من خلال ضرورة السّؤال عمّا قدّمه المسؤول في موقعه. وأمّا من حيث الواقع، فإذا صحّ أنّ ليس كلّ مسؤولٍ يصبح زعيمًا، إلّا أنّه يمكن الجزم بأنّ كلّ زعيمٍ يخرج عن طوق المسؤوليّة، يصبح المفدّى ومسدّد الخطى وربّما سفير السّماء على الأرض. وإذا أردنا أن نقارب هذا الخلط بين المسؤول والزّعيم في لبنان، وجب أن نلتفت في هذه العجالة إلى السّلطة كما يفهمها طرفا العلاقة أي الزّعيم/الأتباع، وما  يجب أن تكون عليه :المسؤول/الشّعب.

تقول الفيلسوفة الألمانيّة حنّه أرندت أنّ السّلطة (authority) تقع في منطقةٍ وسطى بين العنف والإكراه من جهةٍ، والإقناع والبرهان من جهةٍ أخرى. وإذا أسقطنا هذا القول على لبنان، وجدنا أنّ الزّعيم يمارس سطوته وسلطته على أتباعه دون أن يضطرّ إلى استخدام العنف، وإن لوّح به تجاه العصاة في بعض الأحيان، ودون أن يلجأ بالمقابل إلى شرح مواقفه لهؤلاء الأتباع الّذين يتبنّون كلّ ما يصدر عنه وكأنّه كلامٌ مقدّسٌ لا يخالطه باطلٌ. هكذا تنشأ علاقةٌ أحاديّة الاتّجاه من الزّعيم إلى الأتباع دون أن يملك هؤلاء بالمقابل أن يردّوا بشيءٍ آخر سوى التّصفيق والدّعاء له بطول العمر. وهكذا، يعلو الزّعيم وتنخفض الرّعيّة، فيصبح هو كبيرًا في أعينها وتصبح هي بالكاد مرئيّةً، إلّا ككتلةٍ واحدةٍ قد يضرب بها غيره من الزّعماء. ومع مرور الزّمن، يصبح الزّعيم على معرفةٍ كبيرةٍ بأتباعه إلى درجةٍ تجعله يتلاعب بهم بسهولةٍ! هكذا يغدو غير مسؤولٍ أمامهم، فهم له تبَعٌ مهما غيّر وبدّل في أقواله وأفعاله، وكأنّه خَلَقهم على عينه وحسب إرادته. لذا، يطلق الزّعيم ما شاء من المواقف، وله أن يقول الشّيء ونقيضه، أو أن يصف الزّبد على أنّه ما صفى من الماء، والأتباع في ذلك كلّه مصدّقين مهلّلين مبشّرين.

الزّعيم لا يحتمل أن يخرج من بين النّاس مَن يكشف زيف دعاويه أو يبيّن تناقض خطابه أو تخبّط سياسته. لا يحتمل الزّعيم أن يرى أمامه أفرادًا يعون حقوقهم الفرديّة والجماعيّة ويلقون بالمسؤوليّة عليه في مآلات التّردّي الّتي وصل إليها واقعهم. فلقد اعتاد أن يهلّل له الأتباع ولو أودى بهم إلى الحتوف والمهالك. كلّ هذه “الكبائر” وأكثر، فعلتها 17 تشرين في لبنان. لقد حار لبّ الزّعيم وتاه عقله، وحصل ما لم يتوقّعه يومًا في حياته. لقد اختلّ توازن سلطة “الأخ الأكبر” الّتي رسّخ أساساتها لعقودٍ على أحلام وآمال وآلام النّاس، وكاد الهيكل يخرّ على رأسه. عندها فقط أمر زبانيّته الّذين أغشى أبصارهم وبصائرهم بالأيديولوجيا البالية أن ينزلوا إلى الشّارع ليحلّوا له المعضلة بالعنف والقوّة. ولكنّ الزّعيم وأتباعه فاتهم أنّ استخدام العنف يعزّز تخلخل السّلطة كما أوردنا أعلاه، وأنّهم من حيث يفدون الزّعيم هم يودون به إلى المآزق، وربّما إلى الحتف (وهو المأمول). لقد راع الزّعيم والضاربين بسيفه أن يسائلهم الشّعب عمّا سلبت أيديهم، وعمّا فعله الزّعيم على مدى سنين طويلةٍ في سدّة المسؤوليّة أودت إلى الخراب والمزيد من الخراب. فكان الرّدّ بالعنف جوابًا صريحًا أنّه أفسد وسلب وخرّب، ولكنّ جريمته الكبرى هي ما فعله من تشويهٍ للعلاقة بين الشّعب والمسؤول.

لقد كثر الجدل (غير العلميّ طبعًا!) حول الوصف الأفضل الّذي يمكن أن نطلقه على 17 تشرين. هل هي حراكٌ مطلبيٌّ بمروحة مطالب واسعةٍ، أو هي هبّةٌ شعبيّةٌ أتت ردًّا على سياسةٍ مجحفةٍ، أو هي انتفاضةٌ على واقعٍ مريرٍ لا تفتأ أن تسكن بعد تطبيق عددٍ من الإصلاحات الشّكليّة، أو هي ثورةٌ تطيح بشكلٍ من الانتظام السّياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ لتبني من حجارته المبعثرة دولة مواطنةٍ عصريّة؟ أقول، مستخدمًا هنا بعضًا من سلطة الكاتب (author): تكون 17 تشرين أقرب إلى الثّورة إذا ما استطاعت، من ضمن أمورٍ أخرى، أن تزيل الخلط الحاصل بين المسؤول والزّعيم في لبنان وأن تعدّل الخلل الحاصل في علاقة المسؤول بالشّعب حتّى يفهم الطّرفان أنّ المسؤوليّة تكليفٌ وعهدٌ وليست تشريفًا ومجدًا. وعندها، نفهم جميعًا أنّ المسؤول نسائله ونحاسبه لا زعيمًا نباهي به ونحبّه ونفديه!