من اللّحظة إلى “الزّمن الثّوريّ”

من اللّحظة إلى “الزّمن الثّوريّ”

تصوير نبيل اسماعيل

افتتاحية ١٧ تشرين – فاطمة فؤاد

يصدر العدد الخامس من “١٧ تشرين” بعد انقطاعٍ دام ثلاثة أشهر نتيجة قيام فرنسَبنك بحجز التّبرّعات المُخصّصة للجريدة كما حال الودائع الصّغيرة، ومحاولته عبثًا ابتزاز هيئة التّحرير عبر اشتراط التّستّر والكتمان مقابل تسليمها الأموال. عَمَد المصرف نفسه إلى اتّخاذ صفة الادّعاء الشّخصيّ ضدّ كلٍّ من المناضلَين “وضّاح غَنَوي” و”محمود مروّة” على إثر تفجيرٍ أمام فرعه الكائن في صيدا خلال نيسان الماضي، وقد حَفَل الأسبوع الأخير منه بأخبار البنوك المحترقة واجهتها في عدّة مناطق رغم قوانين التّعبئة العامّة التّعجيزيّة؛ إذ حرّر المنتفضون المولوتوف من الرّمزيّة الجامدة واستعادوه إلى حيّز الغضب الفعّال، ولو لبرهة. أمّا مدينة الفيحاء، فقد عرفَت آنذاك ذروة العنف بوجهيه الثّوريّ والسّلطويّ، ما أسفر عن استشهاد الشّابّ – المُفقَر منهجيًّا – فوّاز فؤاد السّمّان، أخي البالغ من العمر ٢٦ ربيعًا، برصاصةٍ حيّةٍ من الجيش اللّبنانيّ.

في محاولةٍ للتّفكّر بالعنف الثّوريّ وأبعاده خلال محطّات الانتفاضة، دون الغرق في تقديسه ورَمْنَقَطِتِه أو رفضه ونبذه مراعاةً لمبدإ السّلميّة المفرطة، تبدو العودة إلى فرانز فانون محتّمة، إنّما ضمن سياق واقعنا المُعاش وصراعنا مع “السّلطة الشّرعيّة”. يُمكن قراءة الأيّام الأولى ومن ثمّ المواجهات الدّامية مع قوى أمن الأوليغارشيّة وشبّيحة الأحزاب الطّائفيّة كما ليلتَي المصارف في بيروت وطرابلس وما تمظهر عنها من سلوكيّات عدوانيّة في حيّز “التّطهير أو التّنفيس الجماعيّ” (collective catharsis)؛ عند ارتكاب فعل العنف يشعر المتمرّد بالإنسانيّة الّتي يتشاركها مع حاكمه، ويكتشف أنّ لا قيمة جوهريّة للأخير تفوق قيمته ما يهزّ عالمه ووعيه بشكلٍ حيويّ، فيعيد إنتاج نفسه متحرّرًا من عقدة الدّونيّة وقيود الخوف واليأس والخمود، ويسمح له باستئناف وجوده الحرّ واستعادة إرادته. ويرى فانون في العنف الثّوريّ بعدًا علاجيًّا؛ فالمنتفضُ “يتطهّر” من آثار الحكم الجائر على نفسيّته. كثيرةِ هي المشاهد المبهرة الّتي طبعت ذاكرتنا وبسيكولوجيّتنا الجماعيّة خلال الانتفاضة، كسطو الفقراء من أبناء الفيحاء على متجرَي بوما وباتشي، والزّجاجات الحارقة المنهمرة على المصرف المركزيّ في صيدا، والبنوك المحطّمة في الحمرا وحلبا وتلك المشتعلة في طرابلس، وعناصر المكافحة المدجّجين بالعتاد الأميركيّ، هاربين من الحجارة والقنابل الغازيّة الفرنسيّة المرتدّة…

لكن، ليس بالعنف وحده يتحرّر الإنسان، إذ أنّ غياب الرّؤية السّياسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة الواضحة ينتج المنظومة القمعيّة نفسها مع تبدّلٍ سطحيٍّ لأدوار السّلطة وموازين القوّة، ما يحيلنا إلى سؤال الانتفاضة الأبرز: الانتظام والإجابة عنه يستوجبان انخراطًا جماعيًّا للثّوريّين والثّوريّات في عمليّة بناء الواقع المغاير الجديد، ولا تقتصر على النّخبة المثقّفة، حتّى لا يُرمى بسواهم إلى هاوية الاغتراب السّياسيّ. إذًا، العنف الثّوريّ المجرّد، أو العنف لأجل العنف، رغم خفّته نوعيًّا ومحدوديّته كمّيًّا في الانتفاضة التّشرينيّة، لا يمكن أن يشكّل بديلًا بذاته، إنّما إيجاد المشروع الثّوريّ وحده يسوّغ العنف ويبرّره.

تبيّن المراجعة الواقعيّة لمسار الانتفاضة أنّ ما اختبرناه لا يتعدّى كونه “لحظةً ثوريّةً” قد تبدّدت بحكم الخمول الشّعبيّ خلال الشّهور الأخيرة، بعدما أرسَت القطيعة مع القناعة الخانعة وكرّست الرّفض كحالةٍ عامّة. ولا يصحّ ردّ أسبابه وحصرها بالحجر القسريّ حين ارتأت الحكومة التّكنوقراطيّة “دحر” فايروس كورونا بالعسكرة الشّاملة للبلاد. ففي التّورية استكمالٌ للنّهج المتكاسل القائم على اجترار المشهديّة الانتفاضيّة وابتذالها بالرّومنسيّة تارةً والفيتيشيّة طورًا. إنّما يمكن بناء “زمنٍ ثوريٍّ” على تلك اللّحظة، شرط الانعتاق من هوسة العجلة. فلا الهتافات الوحدويّة كفيلة بنفي الواقع الطّائفيّ المُمأسس وفكّ الارتباط المتين في العلاقات الزّبائنيّة بين الأحزاب والتّيارات اليمينيّة الرّجعيّة وبيئتها الحاضنة، ولا تكثّف الأزمات المعيشيّة وثقل وطأتها على كاهل الطّبقات الأكثر فقرًا وتلك الوسطى المنزلقة إلى قعر السّلم الاجتماعيّ بفعل الانهيار الاقتصاديّ-الاجتماعيّ الشّامل قادر على خلق الوعي الطّبقيّ المرتجى من العدم. ولكنّ الانتظام في جبهةٍ شعبيّةٍ شاملةٍ للأفراد والمجموعات السّياسيّة والأحزاب التّقدميّة اليساريّة في طول البلاد وعرضها وحده قادر على توظيف السّخط الجماهيريّ في العمليّة التّهديميّة للنّظام المهترئ والتّمهيديّة لدولتنا الاشتراكيّة المبتغاة.

رصّوا الصّفوف! رصّوا الصّفوف! درب النّضال طويل طويل…