كرة السّلّة اللّبنانيّة: أزمةٌ عابرةٌ أم انهيارٌ تامٌّ؟

كرة السّلّة اللّبنانيّة: أزمةٌ عابرةٌ أم انهيارٌ تامٌّ؟

عيسى ياسين

كرة السّلّة اللّبنانيّة: أزمةٌ عابرةٌ أم انهيارٌ تامٌّ؟

في مساء السّابع عشر من شهر تشرين الأوّل، كان الشّارع اللّبنانيّ منشغلًا باشتعال فتيل الانتفاضة، لكنّ القدر شاء أن أكون منهمكًا بمتابعة مباراةٍ بين الرّياضي والمتّحد في بطولة لبنان لكرة السّلّة.

ربّما لم تأخذ تلك المباراة حقّها، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، بسبب تركيز النّاس على الثّورة، إلّا أنّها حملت في طيّاتها دلالاتٍ مهمّةً لكلّ عاشقٍ أو متابعٍ لهذه الرّياضة الّتي لطالما كانت مصدر بهجةٍ لكلّ اللّبنانيّين.

فكرة السّلّة ليست مثل اللّعبة الشّعبيّة الأولى في لبنان كرة القدم، وإن كان قد حصل بعض المشاكل في السّنوات الأخيرة وأزمات على مستوى ضيّقٍ، إلّا أنّها لطالما وجدت طريقةً للوقوف على قدميها من جديدٍ.

كان موسم 2019-2020 قد انطلق وخلفه بعض الأصوات الّتي حذّرت من مخاطرة بعض النّوادي بميزانيّاتٍ كبيرةٍ جدًّا، بالأخصّ في وضعٍ اقتصاديٍّ كهذا.

إلّا أنّ الدّوريّ انطلق، ومع تتالي الجولات تناسى العديد تلك التّحذيرات وكنّا نعيش منافسةً ممتعةً بين أصحاب الميزانيّات الكبيرة مثل الشّانفيل والرّياضيّ، وعودة الرّوح إلى نادي الحكمة بعد مواسم مخيّبةٍ للآمال.

لكن، رغم استمرار البطولة، بقي عالقًا في ذهن الكثيرين ما قيل قبل انطلاق البطولة وخلالها أيضًا. وما حصل مع اندلاع الثّورة، أثبت صحّة ذلك الإنذار.

لم يكن جسد كرة السّلّة اللّبنانيّة بشكلٍ عامٍّ، قادرًا على تلقّي تلك الضّربة الماليّة، وسرعان ما بدأ بالانهيار. خلال الأشهر الثّلاثة الماضية، عدنا سنواتٍ إلى الخلف؛ فالرّياضات الجماعيّة لا تحتمل توقّف الدّوريّ ولا ابتعاد اللّاعبين عن الملاعب، وسيلقي هذا الأمر بظلاله على المنتخبات وجميع الفئات العمريّة كذلك.

والمؤسف أنّ بداية الانهيار لم تكن خلف أبوابٍ مغلقةٍ، بل إنّ تحرّكات اللّاعبين والنّجوم كانت دليلًا واضحًا على أنّ كرة السّلّة اللّبنانيّة، على الأقلّ وقتيًّا، لا أمل منها.

البداية كانت برحيل اللّاعبين الأجانب، وهذا أمرٌ متوقّعٌ نظرًا إلى رواتبهم المرتفعة وتفضيل النّوادي تسريحهم من عقودهم الآن عوضًا عن الدّفع لهم دون أن يلعبوا.

بعد ذلك، توقّف بعض الفرق عن التّمرّن. عندها، بدأ عددٌ من اللّاعبين، والمدرّبين أيضًا، بالرّحيل إلى الخارج، بحثًا عن فرصةٍ لمواصلة العمل.

كلّ ذلك كان مقبولًا ولم يكن مفاجئًا للمشجّعين/ات. لكن ما كان له وقع الصّاعقة على المشجّعين/ات والمتابعين/ات، وما جعل الجميع يشعر بعمق الأزمة، كان إعلان القائد التّاريخيّ لمنتخب لبنان ورمز كرة السّلّة اللّبنانيّة فادي الخطيب عن قراره بالاعتزال بعد مسيرةٍ حافلةٍ دامت حوالي عقدين من الزّمن.

لعلّ إعلان فادي قراره هذا في أوقاتٍ “عاديّة” كان سيكون فرصةً للاحتفال بمسيرة أسطورةٍ ساهمت بوضع اسم المنتخب اللّبنانيّ على الخارطة العالميّة.

إلّا أنّ في هذا الواقع،  بدا الإعلان وكأنّه ضربةٌ جديدةٌ لشعبٍ كان يبحث عن متنفّسٍ له في أيّ شيءٍ من أجل تناسي الوضع الكارثيّ للبلد والانهيار غير المسبوق الّذي يعيشه.

في نهاية المطاف، يأمل المتفائلون/ات أن تكون هذه مجرّد انتكاسةٍ لكرة السّلّة، وأنّ الانهيار لا يزال بعيدًا؛ فهذه ليست الأزمة الأولى الّتي تمرُّ بها هذه الرّياضة وبالتّأكيد لن تكون الأخيرة.

لكنّ النّهوض بعد التّوقّف في مثل هذه الظّروف الاستثنائيّة، يحتاج دون أدنى شكٍّ إلى جهودٍ تاريخيّةٍ واستثنائيّةٍ كذلك، وإلّا فعلى اللّعبة السّلام.