يحقّ للثّورة ما لا يحقّ للشّعر

يحقّ للثّورة ما لا يحقّ للشّعر

تصوير حسين بيضون

د. محمّد ناصرالدّين

يحقّ للثّورة ما لا يحقّ للشّعر

الشّعر ثورةٌ أيضًا. لا أقصد بالشّعر تلك القصائد الّتي أنشدَت في مدح الطّغاة والأمراء والفاتحين، فقيمتها لا تكاد تساوي الورق الّذي كُتبت عليه. يتعلّق الكلام حول الشّعر كحرّيّةٍ جامحةٍ تتخطّى حدود هذا الفنّ الّذي اختلف الأقدمون على تعريفه، فاحتقره أفلاطون في محاورة برمينديس قائلًا أنّه كمثل القول “رأيتُ وما رأيتُ طائرًا  وليس بطائرٍ يحطّ ولا يحطّ على شجرةٍ وليست بشجرةٍ… إلخ”؛ أي أنّ الشّعر هزلٌ لا جدّ فيه، أو حين جعله القرآن في وادٍ يهيم أصحابه فـ”يقولون ما يفعلون”، أو حين جعله مالارميه الفرنسيّ “أخطر من الله”؛ وحرّيّته وثورته تكمنان في أنّ كلّ الفنون، من الرّقص إلى الموسيقى والرّسم والرّوايات والمسرح وكلّ مظاهر الثّقافة والفنون، يمكنها أن تكون شاعريّةً. والأخطر أنّ كلّ التّجارب الرّقيقة والحادّة في الحياة، والنّظر إلى الأشياء والكائنات، هي لا شكّ تحمل جرعةً من الشّعر. ثورة الشّعر أيضًا في رفعه لمستوى اللّغة فوق كلام النّثر العاديّ، وخلقه مساحةً للسّماع الّذي يوليه الصّوفيّون أهمّيّةً خاصّةً، في زمن النّقل المباشر والصّورة واختصار اللّغة إلى قاموسٍ مختصرٍ وأبتر، إلى سجنٍ صغيرٍ، بينما يجنح الشّعر إلى أن يفتح المسافة، ليرى مريدوه آياته “في الآفاق وفي أنفسهم”. الشّعراء يوسّعون العالم والطّغاة يضيّقونه؛ هذا كان ديدن الفصيلتين في كلّ العصور. هذه أيّام الشّاعر مندلشتام الأخيرة مع ستالين: يقبع الشّاعر النّزق تحت لحافه ويكمل اللّعب بنظام الأشياء. كلماته ترفض الموت. جلبة القطارات الّتي تنقله من منفى إلى منفى لا تثنيه من تلاوة قصائده وتهريبها للأصدقاء. يكفيه أن تلهج بها شفّةٌ وحيدةٌ في هذا العالم المظلم. في تلك القطارات الّتي كانت تأخذهم إلى الغولاغ، سأل مندلشتام نفسه إن كان الرّفاق الّذين يساقون إلى معسكرات الموت والسُّخرة والأشغال الشّاقّة يحيون بالكلمات أم بالخبز. بعد موته، لعلّ الجواب يكمن في قصيدته الّتي هجا بها ستالين وخلّدها التّاريخ، والّتي تثبت أنّ الشّعر في المقام الأوّل حرّيّةٌ وثورةٌ:

“نعيشُ صُمًّا فلا نسمع ما تحت أقدامِنا

بل كلامُنا لا يُسمع على بعد عشر خطوات

في حين جَبليّ الكرملين يُذكر

في أيّ حديث مهما ابتسر.

غليظةٌ كالدّيدان أصابعُه الزّفِرة

ومن شفتيه تتساقط كلماتٌ فصيحة

ثقيلةٌ كعيار الميزان

له شوارب صُرصاريّة هزّاءة

وجزمةٌ طويلةُ السّاق من جلدٍ لمّاع.

حواليه قادةٌ أعناقُهم أعناق الدّجاج

أنصاف رجال يلعبُ بهم ويداهنهم

فيصهلون، ويتأوّهون، ويموئون

كلُّ إعدامٍ وليمةُ توتٍ أحمر

تملأ صدرَه بالانشراح والغرور

وصدر الجيورجي أوسع الصّدور!”

نفى المحقّق الّذي تناول سيرة الثّائر علي شعيب في كتاب “٢٦ ساعة بنك أوف أميركا” أن يكون علي ورفاقه قد رموا بالنّقود من نوافذ المصرف وقذفوها فوق رؤوس النّاس. قد يكون هذا هو منطق التّقصّي التّاريخيّ للحقائق، والموضوعيّة العلميّة، لكن بمنطق الشّعر، ولا سيّما أنّ علي شعيب كان شاعرًا، يسمح بأكثر من ذلك.  كان يا ما كان، فلّاحون يغيرون على المدن، يغرسون السّكّة في قلب الإقطاعيّ ويغيرون على بيت المال، بيت اللّصوص والتّجّار والكهنة المرابين، يحملون الدّولار الّذي يطوّع الدّنيا ويرمونه من النّوافذ. الثّورة كالشّعر، لا تتبع منطقًا وتبدأ من حيث ينتهي التّاريخ، وتقلب – إن شاءت – هذا التّاريخ رأسًا على عقب.