عمر غندور “النّجمة نادٍ بحجم وطن”

عمر غندور “النّجمة نادٍ بحجم وطن”

قاسم نعمة

عمر غندور “النّجمة نادٍ بحجم وطن”

بينما كان من يفرّق الشّعب اللّبنانيّ في السّياسة من أجل مطامع مناطقيّةٍ وانتخابيّةٍ، كان هناك أيضًا من يحاول جمعه في الرّياضة. مع نهاية السّتّينات، وفي حقبة “اليأس الوطنيّ” الّذي كان يرافق الشّابّ العربيّ بسبب النّكبات والنّكسات في المنطقة، توجّه عمر غندور إلى العمل الرّياضيّ وأصبح عضوًا في إدارة نادي النّجمة اللّبنانيّ. كان “نادي بيروتيّ” أسّسته مجموعةٌ من أهل جلّ البحر ورأس بيروت، يملك ملعبًا صغيرًا وجمهوره لا يتجاوز الألف شخص.

كان لصحيفة 17 تشرين لقاءٌ خاصٌّ مع غندور، للحديث عن تاريخ هذا النّادي العريق وتأثير الواقع السّياسيّ على اللّعبة في بلدٍ عالقٍ في المحسوبيّات الطّائفيّة.

استلم الحاج غندور النّادي وكانت غايته الأولى “جلب الجمهور إلى المدرّجات”. ففي كرة القدم ملاذٌ يبعد الشّباب عن العادات السّيّئة، كالمخدّرات والقمار بحسب تعبيره. ويشرح عمر غندور كيف استطاع تحقيق هذه الغاية عبر ثلاثة طرقٍ: “أوّلًا، حاولنا استقطاب أنديةٍ عريقةٍ و نجومٍ كبيرةٍ إلى لبنان”، فجاء الأسطورة البرازيليّة بيليه إلى المدينة الرّياضيّة وحضر 55 ألف متفرّجٍ/ةٍ يومها. لعب النّجمة أيضًا مبارياتٍ ودّيّةً أمام منتخب جامعات فرنسا وأنديةٍ من أوروبا الشّرقيّة، أبرزها نادي أرارات السّوفييتيّ، الّذي تغلّب عليه النّجمة يومها، وكان عنوان إحدى الصّحف:

“بطل أصغر دولة يهزم بطل أكبر دولة”

ثانيًا، يضيف الحاج: “لم نكن محسوبين على أيّة جهةٍ سياسيّةٍ وعملنا جاهدين على أن يبقى الأمر كذلك طوال فترة وجودنا في النّادي (35 سنة)، فكانت اللّجان مؤلّفةً من أشخاصٍ كفوئين من مختلف الطّوائف.”

أوّل خطوة لبناء وطنٍ هي إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة

“أخيرًا، أقمنا مكاتب للجمهور في كافّة المناطق اللّبنانيّة.” تلك المكاتب عملت على استقطاب الجماهير وحثّهم على متابعة النّجمة عندما كان يلعب خارج بيروت. “في طريقنا إلى طرابلس، كنّا نرى أعلام الفريق في مدينة شكّا.”

كان الولاء للوطن وليس لطائفةٍ أو حزبٍ معيّنٍ، ومن هنا جاءت صفة “نادي الوطن” عندما أصبح الجمهور ممتدًّا على كافّة الأراضي اللّبنانيّة.

حاول الكثير من السّياسيّين الاستفادة من القاعدة الشّعبيّة الكبيرة للنّادي في الانتخابات، وكان قد طُلب من الحاج عمر التّرشّح للنّيابة في عدّة مناسباتٍ، وكانت دائمًا تُقابل بالرّفض: “المسؤوليّة تجاه النّادي وجمهوره لا تقلّ عن المسؤوليّة في مجلس النّوّاب.

كنّا نسخّر السّياسيّين لمصلحة النّادي وليس العكس كما يحصل الآن.”

لم يعتمد حبّ جمهور نادي النّجمة على النّتائج أو الفوز بالبطولات؛ فقد مرّ النّادي بفتراتٍ طويلةٍ من دون تحقيق لقبٍ لأسبابٍ رياضيّةٍ وسياسيّةٍ، أبرزها في حقبة التّسعينات، حيث “كان الاتّحاد يتدخّل مباشرةً لخدمة أنديةٍ محسوبةٍ على فريقٍ سياسيٍّ معيّنٍ، وكان النّجمة غير المدعوم سياسيًّا يدفع الثّمن. هذه أمورٌ جعلت الجماهير تتعلّق أكثر بناديها.”

وعن الحال الّتي وصل إليها النّادي في الآونة الأخيرة، قال الحاج غندور: “كلّ ما قمنا به ضاع في السّنوات الماضية، حيث أصبح النّادي محسوبًا على فئةٍ معيّنةٍ وتدخّلت السّياسة مباشرةً، وأصبحنا نسمع هتافاتٍ سياسيّةً وأحيانًا طائفيّةً، وشتائم موجّهةً لمسؤولين وأشخاصٍ لا علاقة لهم بكرة القدم، وهذا أمرٌ مؤسفٌ.”

يضيف الحاج: “أتمنّى أن نصل إلى إبعاد الطّائفيّة عن المدرّجات، لكنّ هذا البلد بني على هذا الأساس ويحتاج وقتًا طويلًا وعملًا كبيرًا للتّخلّص منها.”

حقّق الحاج عمر غندور غايته في 35 سنة قضاها في نادي النّجمة، وهي بناء نادي بحجم الوطن. وحتّى يومنا هذا، وبالرّغم من كلّ الظّروف الّتي مرّ بها النّادي في السّنوات العشرين الأخيرة، ما زال يملك جمهورًا كبيرًا يعشقه و يدعمه في جميع الظّروف.

لماذا نعشق النّجمة؟

قد يتّهمنا البعض بأنّنا نعشق النّجمة لأنّنا تابعون سياسيًّا لأحد الأحزاب، مثل العديد من الأندية الأخرى، أو لأنّ الجماهير لديها دوافع غير رياضيّةٍ ليبرّروا الشّغف لهذا النّادي.

ببساطةٍ، نحن نحبّ النّجمة رياضيًّا وفنّيًّا، نعشق هذا النّادي الّذي تربّينا على حبّه منذ نعومة الأظافر، “عشق من الطّفولة”. لا نملك أيّ دوافع أخرى. نسير وراء هذا النّادي بشكلٍ عفويٍّ، مثلما نزل الشّعب اللّبنانيّ إلى الشّارع في 17 تشرين بشكلٍ عفويٍّ من أجل المطالبة بكافّة حقوقه ورفضًا للفساد المستشري في الدّولة. وفي حبّ النّادي العفويّ، حبٌّ للوطن ولتاريخٍ مشرفٍ لبناء وطنٍ ومجتمعٍ، الّذي كتب الحاج غندور بعضًا من صفحاته من خلال النّجمة.