أنا الشّعب، لا أعرف… شيئًا

أنا الشّعب، لا أعرف… شيئًا

تصوير نيكولا طوق

جاد زوين

أنا الشّعب، لا أعرف… شيئًا

أعترف أنّ العنوان مستفزٌّ، لكنّه يرتكز على حقيقةٍ: الشعب لا يملك المعرفة الجماعية الكافيّة لتحديد سياسات وقرارات معيشيّة واقتصاديّة وسّياسيّة. الشعب مصدر تكوين السّلطات، نعم. لكنه ليس السلطة بحد ذاتها. يحاسبها، لا يحملها. الشّعب يُوكّل ويحاسب، وعندما يتخطّى دور المحاسب، يضيع.

يقول غيورغ ليختنبيرغ أنّ ضعفنا يتوقّف عن إيذائنا عندما نتعرّف إليه. الشّعب الّذي يعرف أنّه لا يمكن أن يقود أو يحكم، ينجح. الشعب دائم التنوّع، في الأفكار والتوقعات والمصالح، والصراع بين افراده ومجموعاته دائم. والشعب ككل لا يتشارك معرفة موحّدة وكافية للاتفاق على سياسات اقتصادية واجتماعيّة، خصوصاً أن هذه السياسات تتطلّب عمل تشريعي وتدقيقي طويل: وهذا عمل النوّاب (في الديمقراطيات طبعاً). 

السبب الوحيد الذي يجعلنا نظنّ أن الشّعب كلّه يفهم ويعمل بالسياسة والاقتصاد هو تخيّل الشعب ككائنٌ واعٍ بحدّ ذاته، يقوم صباحًا ويشرب قهوته، ليتّجه بعدها إلى عمله. لكنّ آلاف السّيّارات على الطّرقات المتّجهة إلى مكاتبها، وفي كلٍّ منها وعياً منفرداً، هي المجتمع. النّاس مجتمعين في مظاهرةٍ هم المجتمع. ولكن، رغم التجمّع، ليس هناك جمع لكلمة “وعي”.

لست مؤهّلًا، على سبيل المثال، لاتّخاذ قرارٍ بدفع ديون لبنان أو التّخلّف عنها. أضع ثقتي بالمختصّين الذين يريدون أن يتحمّلوا مسؤوليّة القرار، أو أباشر في درس الموضوع بجدّية، مما يستلزم أشهر من وقتي الخاص. هنا يتجلى سبب فشل السلطة: الوزراء والنوّاب لم يدرسوا شيئاً مع أن هذا هو صلب عملهم.

مع إعجابي واحترامي لمحمّد زبيب وجاد غصن، وبسبب متابعتي لهما دومًا، وجدت في لقائهما الأخير ما يعكس بوضوحٍ مشكلتي مع اليسار التّقليديّ.

في سياق الحديث عن الأزمة الحاليّة في لبنان، أسبابها وحلولها، يصف محمّد زبيب كيف أوصلنا كره السّياسة، الكره والكفر بالنّقابات، طغيان الفرديّة والرّفضيّة، إلى حالة ضعفٍ شعبيٍّ. ويحمل النّاس مسؤوليّةً كبيرةً؛ فالانتساب وتنظيم النّقابات والانضمام إلى الأحزاب، ترسّخ مبدأ المصلحة العامّة فوق المصلحة الفرديّة. وفي فكرةٍ متلاصقةٍ، يصفان كيف أصبح المواطن في خدمة الاقتصاد وليس العكس، و”بصير بدّي خفّض معاشي تإخدمه” (جاد غصن). تظهر هنا المغالطة لنرفع من شأن المصلحة العامّة تارةً ونقدّم المصلحة الفرديّة تارةً أخرى. 

مشكلتي مع هذه الإيديولوجيا جذريّةٌ. على النّخبة المعارضة الاعتراف بأنّ النّضال السياسي ينتج عنه أفراداً متميّزون ليصبحوا بدورهم نخبةً، وأنّ النّتيجة لن تكون أبدًا شعبًا واعيًا يقود العملية الإصلاحية.

تحميل الشّعب مسؤوليّة الانهيار هو اعتبار أنّ الشّعب، إذا أدّى دوره الصّحيح في النّضال والانتساب إلى النّقابات والعمل الحزبيّ، لكان الوعي العام تفادى المشكلة من أساسها. لكنّ ذلك الوطن الفاضل لم يتحقّق يومًا.

المهمّة الموكّلة للشّعب في هذه الفرضيّات مستحيلةٌ. ولست هنا مستخفًّا بعقول وقدرات النّاس، لكنّ النّاس ليسوا كما يتخيّل للإخوة والأخوات اليساريّين؛ ليسوا كلّهم مولعين أو حتّى مهتمّين بالشّأن العامّ وقضايا الوطن (وعدم الاهتمام  

ليس بجرمٍ). لهذا السّبب، زالت الدّيمقراطيّة المباشرة بعد خروجها من النّطاق الضّيّق والطبيعي للحكم.

إجماليّ عدد المنتسبين للحزب العمّاليّ البريطانيّ هو ٥٨٠،٠٠٠ (٢٠٢٠)، وتعدّ أكبر عضويّةٍ في المملكة المتّحدة الّتي بلغ عدد سكّانها ٦٦.٤٤ مليون (٢٠١٨). والانتساب لا يعني عضويّةً فاعلةً، فغالبيّتها السّاحقة عضويّةٌ صامتةٌ. في بلدٍ نشيطٍ ديمقراطيٍّ، 0.2 بالمئة منه عضو فاعلٌ في الحزب العمّاليّ بالكثير. الأرقام تصل إلى النّتيجة نفسها: 99 بالمئة من النّاس لن تناضل وتشراك في سّياسة. نضالها في مكانٍ آخر، وبمعظمه فرديّ ومحليّ.

اهتمامات النّاس، أحلامهم وآمالهم، بغالبيّتها السّاحقة، ليست الخدمة المدنيّة أو العامّة. ومتابعة حواراتٍ متلفزةٍ لا تعني ندر النّفس في سبيل السّياسة، أو بأدنى حدٍّ، تخصيص ساعةٍ في الأسبوع للعمل النّقابيّ. إنّ النّاس يريدون المضي في تحقيق آمالهم، ويتوقّعون من النّخبة السّياسيّة أن تؤدّي دورها، بالضّبط كما يتوقّعون من النّخبة المعماريّة أن تأتي بحلول تخطيطٍ مدنيٍّ أو من النّخبة الطّبّيّة بتقديم العلاج.

الشّعب منشغلٌ ومسؤوليّته التّوكيل في الانتخابات فحسب، أمّا النُّخب فهي أمام امتحان الأنا لكي تتمكّن من اختيار قائد/ة للشّعب. وكلمة “وعي” تبقى بلا جمع في لغتنا العربيّة.