السّلطة الرّابعة، وجدت كي تغيّر لا كي تتغيّر

السّلطة الرّابعة، وجدت كي تغيّر لا كي تتغيّر

زينة ناصر

السّلطة الرّابعة، وجدت كي تغيّر لا كي تتغيّر

أحاول أن أفنّد ما يظهر أنّه صحافةٌ تعكس واقعنا الحقيقيّ، علمًا أنّ الأمل يزول بوجودها. وقد تكون غالبيّة صحافة الثّورة “ملصقًا إعلانيًّا جميلًا”، وهذا ما اعتمدته معظم الوسائل الإعلاميّة المحلّيّة، للأسف، ملتزمةً بالشّعار ومستبعدةً تطبيقه، والأسباب تعود لها وحدها طبعًا. ما يعنينا كشعبٍ يريد الحرّيّة ورحيل اللّصوص الّذين أفلسوه، هو النّتيجة.

هل تمثّلنا هذه الصّحافة؟ وما المقصود بانحياز صحافة الثّورة؟

ثمّة خيط رفيع بين الموضوعيّة والانحياز. لدى الصّحافيّين آراء تبقى مع مزاولتهم المهنة، تمامًا كأيّ فردٍ يعيش الحياة السّياسيّة في يوميّاته، الشّخصيّة والعامّة. أمّا الانحياز، فهو إظهار توجّه الصّحافيّ في مقاله أو تقريره. ويبدو أنّ اللّاموضوعيّة تظهر جليًّا أكثر من أيّ وقتٍ مضى في تغطية ثورتنا.

الموضوعيّة، في زمن الثّورات، لا سيّما ثورة لبنان البهيّة، ثورة ١٧ تشرين، لا يمكن أن تطبّق إلّا عبر الانحياز للثّورة، للعدالة الاجتماعيّة. فلا موضوعيّة في إظهار من أهمل حقوق النّاس لسنواتٍ. إظهار صورة السّارق مثلًا؟

الصّحافة المنحازة للثّورة بعيدةٌ كلّ البعد عن وسائل إعلاميّةٍ تتبنّى خطاب الشّارع لبضعة أيّامٍ، ثمّ تعود لتكرّس ساعات الهواء الفارغة لمن هم لبّ المشكلة. المصارف الّتي تنهب النّاس هي أساس المشكلة. من كبيرها؟ من يضع السّياسات الماليّة في البلد؟ المصرف المركزيّ! هل نحتاج إذًا إلى ساعاتٍ متواصلةٍ من البثّ تعطي الأولويّة لخبراء ماليّين وحاكم مصرف لبنان ليعبّروا عن المشكلة والحلول؟ هل الشّاشة فعلًا في حاجةٍ إلى ربطات العنق المنمّقة وكلمات المحاورين “الملطّفة” لننتج محتوًى يتماشى مع الثّورة؟

كيف نرى صحافة ثورةٍ في وسائل إعلاميّةٍ تملأ صفحتها الأولى أو برامجها أصواتُ شعبٍ يريد الحياة فوق الدّمار، بينما تستخدم داخل صفحاتها وضمن برامجها مصطلح “اعتداء الثّوّار”؟ تؤثّر المصطلحات على رأي عامٍّ في طَور تشكيل نظرته تجاه موضوعٍ ما. إن كنتم تؤمنون بالثّورة، فكيف تصفون تكسير زجاج مصرفٍ بالاعتداء؟ 

لماذا علق في ذهن العديد من النّاس اسما رياض قبيسي ورامز القاضي، خلال الثّورة المستمرّة؟ قبيسي والقاضي يبدّيان ما هو محتّم لتغيير المعادلة القائمة على السّرقة والنّهب في البلد. لا يمكن وجود نماذج مثلهما وفي الوقت عينه توجد برامج تلفزيونيّةٌ ومقالاتٌ سطحيّةٌ للوضع في لبنان؟

الصّورة الواضحة تُظهر من أعلن نفسه مع الثّورة ولم ينجح، ومن أعلن أنّه مع الثّورة لكنّ مصطلحاته المستخدمة لا تدلّ على ذلك. فأيّة صحافة نريد؟

نستعيد كرة الثّلج الّتي كرّت، وجاءت لحظة التّغيير في ١٧ تشرين، مع تراكمات سنوات النّضال العلنيّ والصّامت، الّذي ساهم في إنتاج مرحلة التّغيير الحاسمة. فهل تمثّل، بشكلٍ صحيحٍ عبر السّلطة الرّابعة؟ هل من الضّروريّ أن نعرف جميع المصطلحات الصّعبة والكبيرة لنكون متابعين لما يجري في بلدنا؟ لماذا يكرَّس الإعلام  لهؤلاء؟ حتّى ولو كانوا من المعارضين للنّظام الحاليّ، لا يعقل ألّا يُظهر الإعلام من لا يحصلون على فرصة إسماع صوتهم طوال الوقت.

إنّ الانحياز للثّورة والنّاس هو انحيازٌ للحقّ والعدالة في مواجهة الظّلم، وقد ساهم الوعي الجماعيّ المتراكم في بثّ فيديوهاتٍ وصوَرٍ أساسها صحافة المواطن المجرّدة، الّتي تعرف أكثر من أيّ نوع صحافةٍ آخر، كيفيّة عكس ثورة لبنان بصورتها الحقيقيّة. وقد ساهمت صحافة المواطن في ترسيخ فكرةٍ أفضل عمّا يحصل، وشكّلت مرجعًا للصّحافة العالميّة والمحلّيّة في بعض الأحيان.

سمّيت الصّحافة بالسّلطة الرّابعة كي تغيّر، لا كي تتغيّر مع أهواء جمهورٍ مناطقيٍّ طائفيٍّ عنصريٍّ. هنا، تحيّةً لمهنيّة الصّحافيين والصّحافيات الّتي طغت على توجّه وسيلةٍ إعلاميّةٍ ما، والأمثلة قليلةٌ لكنّها بارزة.

صحافة الثّورة الفعليّة تُغربِل نفسها، وسيحين الوقت كي تصبح كلّ وسيلةٍ تدّعي أنّها صحافة ثورةٍ، كذلك فعلًا. كي نقترب أكثر من هذا الهدف، لا بدّ من الابتعاد عن القواعد الصّحفيّة الخشبيّة كتأكيد ما بات معروفًا من العالم أجمع: ثورة لبنان. هل لا تزال الوسائل الإعلاميّة في حاجةٍ إلى سؤال النّاس “- لِمَ أنتم هنا؟ – عم قصّر البنطلون” هو الجواب الأفضل. “- من يدفع ثمن مواصلاتكم؟” أسئلةٌ في غاية السّخافة، تدنّي من الهدف الأساس للتّغطية الإعلاميّة في زمن الثّورات: النّاس وحقّهم  بدولةٍ راعيةٍ. إلى حين حصول ذلك، تبدع صحافة المواطن وستبدع أكثر في نقل صوتها، من دون الحاجة إلى تسوّل دقائق من الكاميرا.