القضاء أمام استحقاقٍ

القضاء أمام استحقاقٍ

المحامية مايا الدغيدي

القضاء أمام استحقاقٍ: واجب تطبيق القانون أم حماية النّفوذ الماليّ

منذ ما قبل ثورة 17 تشرين 2019، بدأت المصارف تطبّق إجراءاتٍ غير مألوفةٍ وغير اعتياديّةٍ على ودائع النّاس، وأفرغت ماكينات الصّرف الآليّ من الدّولار الأميركيّ ووضعت سقوفًا للسّحب بالعملة الأجنبيّة الّتي لم تعد ممكنةً إلّا من خلال موظّف المصرف وخلال دوام العمل القصير؛ في ظلّ ارتفاع سعر الدّولار في الأسواق الموازية وثبات السّعر المعلن الرّسميّ الّذي يبدو أنّه لا تلتزم به سوى مؤسّسات الدّولة والمصارف.

وفي ١٨ تشرين ٢٠١٩، أقفلت المصارف أبوابها بشكلٍ كاملٍ مدّةً تزيد عن أربعة عشر يومًا، ما حمل النّاس إلى الاستفاقة من وهم أنّ اللّيرة بخير وأنّ ودائعهم بخير (كما تردّد على لسان حاكم مصرف لبنان والمصرفيّين)، وبدؤوا يدركون ما يحاك لهم من مصير.

وقد شهد المودعون إجراءاتٍ موجعةً بحقّ أموالهم الخاصّة؛ فوضعت المصارف سقوفًا ضئيلةً جدًّا للسّحب الأسبوعيّ، ومنعت التّحويل الخارجيّ، وقيّدت حرّيّة الأفراد في التّصرّف بأموالهم إذ نصب مديرو المصارف أنفسهم أولياء أمور النّاس يوافقون على تحويلٍ خارجيٍّ أو يرفضون، بعد أن يجبرون المودعين على تبرير أعمالهم الماليّة أو حاجاتهم بالمستندات والأدلّة. فالمصرف من يقرّر إذا كانت حاجة المرء إلى المال مجديةً أم لا وفقًا لمصالح المصرف الذّاتيّة، وليس وفقًا لمبادئ العدالة والإنصاف، الضّرورة والتّناسب. أمّا كبار المودعين، “أصدقاء المصرف”، فلا قيد عليهم ولا شرط وفقًا لتصنيفاتٍ طبقيّةٍ قرّر المصرف من خلالها الأولويّات في تسليم النّاس أموالهم وحقّ تصرّف هؤلاء بأموالهم الخاصّة المودعة لديه. كلّ ذلك تمّ بتغطيةٍ غير موفّقةٍ من النّاحية القانونيّة؛ فتعميم جمعيّة المصارف الّذي تتلطّى المصارف خلفه لخرق قوانين حماية المودعين وتنتج عنها التزاماتٌ زجريّةٌ تجاههم، هو تعميمٌ باطلٌ إذ أنّ جمعيّة المصارف ليست لديها أيّة صفةٍ رسميّةٍ وقراراتها غير ملزمةٍ لأيّ طرفٍ ولا حتّى المصارف نفسها.

إنّ أفعال المصارف المتشعّبة هذه، فيها خرقٌ واضحٌ للقوانين ومنها القوانين المتعلّقة بحقوق أصحاب الودائع المنصوص عنها في قانون الموجبات والعقود، وقانون حماية المستهلك، وقانون النّقد والتّسليف. والسّؤال هنا هو: كيف يقف المودعون متفرّجين على حجز أموالهم لدى المصارف وعلى إغلاقها كلّ الأبواب بوجههم رغم أنّهم يعلمون بأنّ القانون إلى جانبهم وبأنّهم في حال لجؤوا إلى القضاء فيتعيّن على هذا الأخير تطبيق القانون وليس هناك أيّ مهربٍ من ذلك؟

الجواب بسيطٌ ومحبطٌ في الوقت عينه؛ تقوم المصارف بتطبيق الإجراءات على جميع المودعين في آنٍ معًا، باستثناء من تختارهم طبعًا. ولكنّ غياب إمكانيّة التّقاضي الجماعيّ للمودعين، يفرض معالجة القضايا بشكل فرديّ ولكلّ مودعٍ على حدى وحسب الحالة المرتبطة به، ذلك في حال اختار اللّجوء إلى القضاء. هذا فضلًا عن بطء إجراءات التّقاضي المحكومة بالأصول الّتي لا يمكن تجنّبها كأصول التّبليغ وغيرها، وعدم ثقة اللّبنانيّين بالقضاء كملاذٍ ينصف أصحاب الحقوق، والكلفة العالية للتّقاضي في لبنان، بالإضافة إلى الإشاعة الّتي تمّ نشرها بين الناس، وهي أنّه لا يمكن

للأفراد مقاضاة المصارف.

هنا، يخلط المودعون بين المحاكم العاديّة المختصّة بالنّظر في الدّعاوى العالقة بينهم وبين المصارف كشركاتٍ تقدّم خدمةً مصرفيّةً، وهي ملزمةٌ بالعقود الموقّعة بينها وبينهم، وبقواعد ترعى عملها والمتعلّقة بالانتظام العامّ والمنصوص عنها في قانون النّقد والتّسليف والموجبات والعقود؛ وبين لجنة الرّقابة على المصارف، وهي لجنةٌ تابعةٌ لمصرف لبنان، ومهمّتها التّحقّق من حسن تطبيق النّظام المصرفيّ المنصوص عنه في قانون النّقد والتّسليف على المصارف إفراديًّا، وتقوم بالتّدقيق الدّوريّ على جميع المصارف دون التّقيّد (إذا رأت ذلك)، وتمارس صلاحيّات الرّقابة الممنوحة لحاكم مصرف لبنان ولمصرف لبنان بموجب قانون النّقد والتّسليف والصّلاحيّات المعطاة لها بموجب القانون.

وقد لجأ بعض المودعين إلى القضاء وتقدّموا بدعاوى وصل البعض منها إلى خواتيمه المرضية، في حين اصطدم البعض الآخر بقضاءٍ قرّر التّماهي مع الحاكمين بأمر المال، سواء أكان عن ضلالةٍ أو عن تصميمٍ. ففي ما يتعلّق بالجزء الأوّل من الدّعاوى الّتي أنصفت المودعين المطالبين بأموالهم، صدرت قراراتٌ عن قضاة الأمور المستعجلة في مختلف المناطق اللّبنانيّة، وردت فيها إدلاءات المصارف المتعلّقة بعدم اختصاص قضاء العجلة وبالقوّة القاهرة وبيان جمعيّة المصارف وتسديد الودائع باللّيرة اللّبنانيّة للحسابات المودعة بالعملة الأجنبيّة وغيرها من المزاعم؛ وقد ردّ القضاء هذه المزاعم بجملتها. ففي موضوع الاختصاص، عرّفت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت، الرّئيسة كارلا شواح، التّعدّي الواضح على الحقوق الّذي يربط اختصاص قضاء العجلة على أنّه “كلّ فعلٍ أو امتناعٍ عن فعلٍ يصدر عن شخصٍ خارج نطاق حقوقه المشروعة ويلحق ضررًا بالغير، سواء في حقوقه أو أمواله أو سلامته وما سواها”، معتبرةً بذلك إجراءات المصارف التّعسّفيّة تعدّيًا واضحًا على حقوق المودعين في ملكيّتهم الخاصّة. كما اعتبرت أنّ امتناع المصارف عن أداء خدماتٍ معيّنةٍ للمودعين، كالتّحويل إلى الخارج، إنّما يعتبر تعديلًا على العقود الموقّعة مع هؤلاء؛ وهو أمرٌ غير جائزٍ قانونيًّا إذ أنّ هذا التّعديل جرى دون موافقة المودع، وهو بندٌ إراديٌّ محض، وبالتّالي يعتبر باطلا بطلانًا مطلقًا.

ولا تملك المصارف سلطةً استنسابيّةً في تقدير ضرورة التّحويل وامتناعه إلى من خلال الاستناد إلى ما يبرّره القانون. ويبقى أن نتناول في الأحكام الصّادرة عن قضاة العجلة ما ردّوا عليه بالنّسبة إلى محاولة المصارف التّذرّع بالوضع الاستثنائيّ واعتباره قوّةً قاهرةً؛ فقد اعتبرت القرارات الّتي تناولت هذه النّقطة أنّ القوّة القاهرة هي حدثٌ خارجيٌّ غير متوقّعٍ وغير قابلٍ للدّفع، إنّما هذه المصارف قد تلقّت ودائع النّاس واختارت أن توظّفها بفوائد مرتفعةٍ جدًّا، مقارنةً بالفوائد العالميّة مع ما يصاحب ذلك من مخاطر عاليةٍ، وحصدت ومساهميها أرباحًا خياليّةً سبق أن نشرتها ولم تظهر هذه الأرباح البتّة لتساهم في علاج الأزمة الّتي تتذرّع بها المصارف. وتناولت أيضًا كيف حصدت المصارف الأرباح خلال ثلاثين عامًا رافضةً التّنازل عن جزءٍ من أرباحها لسنةٍ واحدةٍ بغية المساهمة في حلّ الأزمة، كما وأنّها لم تلتزم بقانون التّجارة فيما خصّ الالتزام بالاحتياطيّ الإلزاميّ بهدف ضمان الالتزامات تجاه المودعين. وقد أكّد القضاة الشّرفاء في قراراتهم أنّ الأزمة لم تنتج عمّا حصل في ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩ وإنّما هي أحد مسبّباته، وإنّ احتجاز المصرف أموال المودع، قد تمّ فرضه كي لا يقع المصرف في أيّة خسارة. وقد لفتت القرارات القضائيّة بأنّ خيار المصارف يقتصر إمّا على  الرّبح الفاحش في غياب الأزماتٍ إما احتجاز أموال المودعين في حال حدوثها، وإنّ خيارات التّوظيف السّيّئة لأموالٍ ائتمنوا عليها هي من تسبّبت بهذه الأزمة.

يتخّذ قضاة الأمور المستعجلة في مناطق عديدةٍ في لبنان قرارات تتناسب مع ضميرهم الوطنيّ والمهنيّ ومبادىء العدل والإنصاف، فيما تقوم المصارف باستئناف هذه القرارات مدافعةً عن مصالحها بشراسة “البلطجيّ” واستخفاف المستبدّ بحقوق الأفراد المصنفين لها طبقيًّا. وقد أوقفت محاكم الاستئناف التّنفيذ في غالبيّة هذه الأحكام مناصرةً التّخمة الماليّة الحاكمة دون وجه حقٍّ.

ولكن، ومع اشتداد التّعسّف الصّارخ، يردّ قضاة الاستئناف في زحلة وجبل لبنان طلبات وقف التّنفيذ تباعًا ويتحصّنون بتطبيق القانون. ونأمل أن يدرك الجميع أنّنا مواطنون لا ننتمي إلى الـ5% من أصحاب النّفوذ الماليّ وتجّار موارد الوطن والمواطنين ولن نأخذ خيار الدّفاع عنهم، وإلّا سنكون قد ساهمنا بدمار ما تبقّى من هذا الوطن وسنُسحق تحت دواليب سيّاراتهم الضّخمة الّتي سيهربون بها عندما ينتهون من اعتصار آخر فلسٍ لدينا.