الدّيمقراطيّة الّتي سمعنا عنها ولم نعشها يومًا

الدّيمقراطيّة الّتي سمعنا عنها ولم نعشها يومًا

تصوير حسين بيضون

جاد شحرور

الدّيمقراطيّة الّتي سمعنا عنها ولم نعشها يومًا

تبدّل المشهد الأمنيّ في لبنان حسب الأحقاب السّياسيّة، ولعلّ أبرزها، كان الاحتلال الإسرائيليّ ونظام الوصاية السّوريّة وما نعيشه الآن تحت مسمّى العهد القويّ؛ أن يكون هناك مشهدٌ أمنيٌّ ضدّ الاحتلال، فهذا مشروعٌ ومحقٌّ وضروريٌّ، لا بل يستمدّ قوّته من النّاس. 

أمّا بالنّسبة إلى عهد الوصاية كمشهدٍ أمنيٍّ، كمغتصبٍ للخيار السّياسيّ، فكان من الطّبيعي أن يخرج مطأطأ الرّأس في الـ ٢٠٠٥ مرغمًا عنه. لكن ما لا يمكن احتماله هو العهد القويّ بنظامه الأمنيّ الّذي تنوّعت أشكال عمله من ترهيبٍ وقمعٍ وتهديدٍ وضربٍ مباشرٍ لكلّ من يغرّد خارج سرب الدّولة العميقة بسلطتها السّياسيّة، مع الإشارة إلى تسهيله عمليّة عودة النّظام السّوريّ ولو بشكلٍ مستترٍ. 

منذ ٣١ أكتوبر ٢٠١٦، استلم ميشال عون الرّئاسة، وأعلن افتتاح الجمهوريّة بإدارةٍ جديدةٍ، ليعلن العهد القويّ. اعتبر وصوله للرّئاسة ليس بتسويةٍ، بل بنجاح حملته السّياسيّة منذ العام ٢٠٠٥ تحت عنوان “الإصلاح والتّغيير”! طبعًا، ما تبيّن على أرض الواقع، هو قيام نظامٍ جديدٍ لم تكن مهمّته الأولى محو ما سبق، إلّا أنّ هدفه كان أن تبقى الأمور كما هي، وأن يكون جبران باسيل صهر الرّئيس المايسترو، ضابط إيقاع الجمهورية والتسويات السياسية. وقد وُظِّفت الأجهزة الأمنيّة لاستدعاء كلّ من يعكّر مزاج الصّهر؛ أي أنّ العهد القويّ وجد ليكون انتصار معسكرٍ على آخر، وليس ليكون حكمًا أكثر عدالةً من الرّئاسات السّابقة له.

في العهد القويّ، برزت الأجهزة الأمنيّة دون سواها، عبر ترهيب النّاشطين  والصّحافيّي والفنّانين؛ لا بل لاحقت كلّ مستخدمٍ لمواقع التّواصل الاجتماعيّ. في البداية، كان المشهد الأمنيّ محصورًا بالتّحقيقات وحجز الحرّيّات والاتّصالات الاستفساريّة، إلى أن وصلنا إلى ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩، إذ تبدّل القمع من مشهده المحصور بالتّحقيقات والسّجن إلى الضّرب المباشر. ولا يهمّ تعداد حالات الضّرب بحقّ المتظاهرين والصّحافيّي، طالما أنّه نهجٌ مفبركٌ لعزل الشّارع.

يصبح الضّرب مستنكرًا عندما يهدّد حاشية السّياسيّين أمثال النّائب اللّواء جميل السّيّد، الّذي اعترض على هجوم حاشية رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي، يوم تحرّك بعض الشّبّان أمام مجلس الجنوب. طبعًا هذا المثل أيضًا يعرّفنا إلى مشهدٍ أمنيٍّ حزبيٍّ من نوعٍ آخر، خارج الأطر الرّسميّة، وقد يكون نوع المشهد إمّا “حزبيّ – حزبيّ” أي ما ذكر أخيرًا أو “أمنيّ – أمنيّ” كصراع الأجهزة مثلًا. أيضًا، مشهدٌ أمنيٌّ كهذا، يذكّرنا بحزب الله اللّبنانيّ ومربعه الأمنيّ وأمنه الخاصّ وشروط استقباله للقوى الأمنيّة الرّسميّة في ضاحيته الجنوبيّة؛ وأقول ضاحيته، لأنّها تبدو وكأنّها ممنوعةٌ عن بيروت، لا بل عن كلّ ما هو خارج الجنوب، أقلّه أمنيًّا. وبطبيعة الحال، لا يشمل هذا المشهد من هم خارج مزاج حزب الله وحركة أمل ويسكنون الضاحية، مثل حالتي تماماً، إنما  يشدّ الخناق على الحزب وحركة أمل وجمهورهما فحسب. 

عندما نقول حزب الله كمشهدٍ أمنيٍّ، يخطر ببال المواطن اللّبنانيّ أنّ خلال فترة التّفجيرات الّتي طالت الضّاحية الجنوبيّة ولغاية الآن، منع السّوريّ من الدّخول. لكن، أيّ سوريّ؟ طبعًا ليس السّوريّ المموّل، ولا السّوريّ الضّابط الأمنيّ، ولا السّوريّ المهندس للعلاقات مع الرّئيس السّوريّ بشّار الأسد. المنع حصرًا وفقط لحناجر بائعي الخردوات (بطّاريّات، غسّالات، برّادات… للبيع) في حارة حريك وبئر العبد وبرج البراجنة والمعمورة والمريجة وحيّ السّلّم. إلّا أنّ أصوات هؤلاء البائعين تصدح في شوارع الأشرفيّة طبعًا مع تنويعٍ في التّسويق، مثل مرور بائعي الخضار؛ وكأنّ هناك طبقيّةً أيضًا في المشهد الأمنيّ. فالممنوع مسموحٌ لأصحاب القرار، والممنوع ممنوعٌ للفئات المهمّشة. وهنا، يصبح المواطن السّوريّ والمواطن اللّبنانيّ في خانةٍ واحدةٍ، تحت فئة “الممنوع ممنوعٌ”.

المشهد الأمني في لبنان، لم يكن يوماً،  بأنواعه المختلفة كما هو متعارف عليه دولياً، قوى حفظ سلام واستقرار، لا بل هو أداة للقمع أولاً، وجهاز حماية للأحزاب الحاكمة ثانياً. ومركز للتهريب والفساد والانتقام الشخصي ثالثاً،  على الأقل هذا ما نشهده من معارك على شاشات التلفزة في قضايا الجمارك وغيرها. وهذا ما شهدناه مع قضية الممثل زياد عيتاني سابقاً.  

ولكلّ ما ذكر، لثورة ١٧ أكتوبر، دورٌ في استعادة حرّيّة التّفكير والتّعبير، خارج بطش الأجهزة الأمنيّة وأمراء الحرب. إنّها الدّيمقراطيّة الّتي سمعنا عنها ولم نعشها يومًا.