من يتحدّث باسم الانتفاضة؟

من يتحدّث باسم الانتفاضة؟

تصوير نذير حلواني

علي هاشم

من يتحدّث باسم الانتفاضة؟

كان الصّوت الّذي هدر وسط بيروت، ليل السّابع عشر من تشرين الأوّل ٢٠١٩، كافيًا لصناعة صورةٍ غير مسبوقةٍ في تاريخ لبنان منذ استقلاله وربّما قبل. صوتٌ وصورةٌ تكاملا تدريجيًّا على امتداد الخارطة اللّبنانيّة لتقديم ما بدأ حراكًا شعبيًّا، وتطوّر إلى انتفاضةٍ أعادت رسم المشهد الصّدإ في بلدٍ لطالما اشتهر بحرّيّة التّعبير؛ لكنّ التّعبير فيه لم يوصل يومًا لصناعة تغييرٍ حقيقيٍّ. صوتٌ وصورةٌ من خلال منصّاتٍ متعدّدةٍ، وسائل تواصلٍ اجتماعيٍّ، قنواتٍ تلفزيونيّةٍ، أفرادٍ مؤثّرين؛ لكنّ الانتفاضة، ورغم مرور ما يقارب الأربعة أشهر على انطلاقها، لم تنجح بعد في تقديم خطابها الموحّد وصوتها وصورتها عبر منصّةٍ رسميّةٍ تعبّر عنها، وهذا ليس تفصيلًا.

خلال المدّة الماضية، اضمحلّت الفوارق بين القوى السّياسيّة على اختلافها واجتمعت كلّها في بوتقة سلطةٍ غير متجانسةٍ، تحالفت وتقاتلت؛ لكنّ ذلك لم يخرجها من إطار “كلّهم يعني كلّهم” الّذي صنعته الانتفاضة. في المقابل، تحوّل الشّارع المنتفض إلى معارضةٍ شعبيّةٍ منتشرةٍ في كلّ الأراضي اللّبنانيّة، معارضةٍ بدون واجهةٍ سياسيّةٍ واحدةٍ، أو حتّى مجموعة واجهاتٍ يمكن أن تساهم في تسييل الصّوت والصّورة بشكلٍ ممنهجٍ ومسلّحٍ بتفاني آلاف اللّبنانيّين المختلفين في الأصل على كلّ شيءٍ، إلّا على شعار إسقاط المنظومة الحاكمة.

المعارضة الشّعبيّة المتخوّفة من لحظة الخروج إلى ميدان السّياسة، كانت تتحسّب لكلّ خطوةٍ يمكن أن تتسبّب أو تعجّل بالانقسام، وهو ما حدّ من اندفاع عشرات المجموعات الّتي شاركت ولا تزال تشارك في الانتفاضة في طرح أفكارها ووجهات نظرها، وهو بدوره ما أدّى إلى خفض سقف التّوقّعات بشكلٍ كبيرٍ. فالتّظاهرات الّتي رفعت شعار إسقاط النّظام، لم تطلب واقعًا بأكثر من استقالة الحكومة والمجلس وانتخاباتٍ مبكّرةٍ، إلى جانب مطالب خاصّةٍ بالسّياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، دون أن تتحدّث مثلًا عن إعادة كتابةٍ للدّستور أو حتّى تعديله بحيث يمكن عبر ذلك إنتاج منظومةٍ بعيدةٍ عن المحاصصة الطّائفيّة وحكم أمراء الطّوائف الّتي تتفرّع عنها جدران حمايةٍ إعلاميّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ تعيق أيّ محاولةٍ للتّغيير من الدّاخل، وتحوّل كلّ انتخاباتٍ عامّةٍ تخاض في البلاد إلى استفتاءٍ داخليٍّ لكلّ طائفةٍ على نفسها.

“كلّهم يعني كلّهم” الّتي صنعت إطار الطّبقة السّياسيّة، تحوّلت إلى محفّزٍ لهذه الطّبقة السّياسيّة لصناعة سرديّاتٍ مقابلةٍ للشّعارات الّتي تبنّتها الانتفاضة، تتضمّن الشّيطنة والرّبط بالخارج والعبثيّة. وترافق ذلك مع مسارعة حرّاس هيكل النّظام إلى استخدام وسائل التّرهيب والتّرغيب لضرب الحالة الشعبيّة في قلبها، متسلّحين بشبكة قنواتٍ تلفزيونيّةٍ وجيشٍ من المحلّلين السّياسيّين، ودون شكٍّ قواعد شعبيّةٍ مواليةٍ حتّى النّخاع تؤازرها مجموعاتٌ من المؤثّرين على وسائل التّواصل الاجتماعيّ.

كانت سرديّات السّلطة تجد لها آذانًا صاغيةً على مستويات المنتسبين والمؤيّدين والمتردّدين؛ ولعلّ هذا ما ساهم في أكثر من مناسبةٍ في ضعضعة ثقة البعض بالانتفاضة. لكنّ سببًا آخر لذلك، كان غياب السّرديّة المقابلة الخاصّة بالانتفاضة، وعدم وجود منصّةٍ رسميّةٍ توصل من خلالها صوتها إلى جمهورها والآخرين. هكذا، كان ممكنًا أن يُتّهم مَن في الشّارع بأيّ شيءٍ، وكانت الرّدود تأتي متفرّقةً بأصواتٍ متعدّدةٍ، وكثيرًا بمنطقٍ مشتّتٍ. بل أكثر من ذلك، كان بإمكان أطراف السّلطة أن يتدخّلوا في المشهد، عبر نشاطٍ متقاطعٍ مع نشاطات الانتفاضة ويقع النّاس في “حيص بيص” تجاه حقيقة ما حدث، ومجدّدًا دون حضور روايةٍ موحّدةٍ.

ليس هذا للقول إنّ الانتفاضة افتقدت للتّغطية الإعلاميّة، على العكس تمامًا، هي حظيت بأكبر تغطيةٍ ممكنةٍ؛ لكنّها، خلال ما مرّ من أسابيع وأشهر، لم تستطع أن تصنع لنفسها متحدّثًا باسمها، لا صفحة فايسبوك ولا حساب تويتر ولا أيّ منصّةٍ مركزيّةٍ موحّدةٍ يمكن لها أن تعطي المتابع، مؤيّدًا كان أم معارضًا أو حتّى محايدًا، الثّقة بأنّه يتعامل مع إطارٍ قد يكون في الواقع متعدّد الاتّجاهات، لكنّه في نهاية المطاف يعرف إلى أين يسير. سببٌ آخر يجعل من إطلاق منصّةٍ موحّدةٍ أمرًا ضروريًّا، هو أنّ الاعتماد الكلّيّ على وسائل الإعلام التّقليديّة قد يؤدّي في لحظةٍ براغماتيّةٍ إلى وضع صوت الانتفاضة على وضعيّة الصّامت.