يا غبي يا أنا

يا غبي يا أنا

نصري الصّايغ

يا غبي يا أنا

قبل الانتفاضة، حصل ما يلي: دعيت لإلقاء مداخلةٍ في ندوةٍ. لم أكن أعرف الرّاعي ولا كنت راغبًا في الكلام. لبنان عندي انتهى. لا قيامة له. ألف سببٍ يدعو إلى الثّورة. والشّعب في إجازةٍ. كيف لي أن ألقي مداخلةً؟ إصرار المتّصل أقنعني بأن أحضر. حذّرته أنّي سأعلن يأسي. لا أرغب في أن أكذب على المستمعين، وهم نخبةٌ شبابيّةٌ. قلت له سأكون سلبيًّا. كتابي “لبنان في مئة عام… انتصار الطّائفيّة” صدر حديثًا وفيه خلاصةٌ: “فالج ولا تعالج”.

المجموعة الدّاعية، لأوّل مرّةٍ أسمع باسمها. “لـِ حقّي” اسمٌ جديدٌ وغريبٌ. حضرت وتلوت فعلًا نكرانيًّا للبنان ويأسي منه. كنت شوّاذًا عن القاعدة، علمًا أنّ الحاضرين كانوا يتمتّعون بحيويّةٍ وإصرارٍ وإيمانٍ. أشفقت عليهم. وبعد تلاوة مداخلتي الموجزة، انسحبت. لا طاقة عندي كي أسمع كلامًا متفائلًا أو معوّلًا على أمل.

أيّامٌ مرّت، كنت أتذكّر ما قلته. لمت نفسي كثيرًا. قلت: لبنان باقٍ، شعبه باقٍ ومآسيه باقيةٌ. لماذا لا نفكّر بالمستقبل؟ لنبدأ العمل الآن من أجل التّحضير لعمليّة تغييرٍ عميقةٍ. تطلّعت إلى العام ٢٠٥٠، سيكون موعدنا مع التّغيير في ذلك العام بشرط أن نبدأ الآن. وضعت لائحةً بأسماء أساتذةٍ وخبراء ومثقّفين واقتصاديّين وفنّانين وخبراء وسياسيّين شرفاء. الاتّصالات الهاتفيّة كانت مشجّعةً. أوّل لقاءٍ عقد مع النّائب أسامة سعد. اتّفقنا وتواعدنا على الانتصار في العام ٢٠٥٠.

كان الزّمن ضدّي. خرجت من المجلس، مررت بالجريدة وعدت إلى البيت مع موعدٍ مع قياديٍّ ثانٍ. عند السّاعة الثّامنة مساءً، تستدعيني زوجتي على عجلٍ، وبلغةٍ آمرةٍ: “تعا شوف شو في بالبلد.”

هرعت ووجدت الشّباب والشّابات والنّاس في الشّارع. ما هذا؟ أين أنا؟ “يا نصري يا غبي”. تخطّط للألفين والخمسين، والنّاس في الشّارع وشعار “ثورة ثورة” يملأ السّاحات.

أوّل درسٍ في الانتفاضة كان: اليأس ممنوع. لا يحقّ لأحدٍ إعدام الأمل. وتعاظم شعوري بالذّنب عندما تحوّلت المئات إلى آلاف، ثمّ إلى عشرات الآلاف، ثمّ إلى مئات الآلاف. كانت مفاجأتي الكبرى، أنّ الثّوّار والثّائرات ملأوا الشّوارع والسّاحات بأقدامهم وقبضاتهم وحناجرهم. اتّسعت رقعة الانتفاضة. عمّت السّاحات من الشّمال إلى الجنوب إلى البقاع فالجبل. في كلّ ساحةٍ، عاصمةٌ للثّورة. نحن على أبواب المستقبل. المستقبل يبدأ الآن. التّغيير صعبٌ ولكنّه حتميٌّ.

ما أذهلني، هشاشة السّلطة الباغية وخوفها. من حقّها أن تخاف، لأنّها مرتكبةٌ، لأنّها سارقةٌ، لأنّها مهينةٌ، لأنّها منتهكةٌ، لأنّها عارٌ، لأنّها أمّ الكبائر… بلعت لسانها. وعندما نطقت: كذبت، قالت أنّها معنا، ثمّ ارتدّت علينا.

أنا تغيّرت، شعرت أنّ نصري القديم مات. هناك مولودٌ جديدٌ، هو نصري. الرّحم الّذي أنجبني هو هذه الثّورة. غيّرت تاريخ ميلادي. عمري اليوم مئة يوم وأكثر. وأودّ أن أعتذر من كلّ ثائرٍ وثائرةٍ، لأنّي في مقالاتي الملعونة، لعنتهم بسبب تغيّبهم عن السّاحات وتأخّرهم عن رفع القبضات. ها أنذا أعتذر منكم. لقد أهنتكم كثيرًا، وعليّ أن أكفر عن خطاياي. لن أكون في الثّورة إلّا خادمها. لا مكان لي إلّا في المؤخّرة. الصّفوف الأماميّة هي لأولئك الّذين رفعوا قبضاتهم وواجهوا باللّحم الحيّ همجيّة القوى المضادّة، الأمنيّة والمذهبيّة.

علّمتني الانتفاضة كيف عليّ أن أعيش. أنا لا أقيم الآن على حافّة الجرح، أنا فيه. أتحسّسه ويؤلمني كثيرًا

ويعطيني الدّفع باستمرارٍ.

من اتّصل فيّ ليسألني، كنت أرفض الجواب. أقول: أنا تحت إمرة الانتفاضة. أذهب إلى اللّعازاريّة، أمضي إلى صيدا، أهرول إلى الجنوب، أسرع إلى لقاءٍ، أتهيّب وأتحاشى أن أعبّر عن رأيي، أفضّل الدّفاع عن آراء الثّوّار المختلفة والمتناقضة أحيانًا. أحلم بعيدٍ كبيرٍ، هو عيد التقاء المجموعات كلّها، حول برنامج عملٍ مرحليٍّ، حول خريطة طريقٍ برسم التّنوّع. أنا مؤمنٌ بالوحدة الّتي تحافظ على التّنوّع.

لست خائفًا من نكسةٍ أو نكوصٍ. ما زالت الثّورة في بدايتها وقد حقّقت الكثير، أهمّها: السّلطة خائفةٌ، الطّوائف ترتجف، المصارف تتعثّر. المشكلة عندهم وليست عندنا.

وتعلّمت من الانتفاضة ابتداعها لوسائل نضاليّةٍ غير مسبوقةٍ وغير مأثورةٍ: ملاحقة السّياسيّين في المطاعم، أجمل البدع وأفضلها: “ممنوع عليكم ما هو محروم لنا”، “ازعبوهم”؛ قطع الطّرق أسلوبٌ فذٌّ بشروط سلامة النّاس الّذين هم أهلنا؛ المواجهة بصدورٍ عاريةٍ وسلميّةٍ حاسمةٍ. كم أنتم أقوياء أيّها الضعفاء جدًّا. القمع غذاءٌ نضاليٌّ. الّذين اعتقلوا خرجوا حاملين “أوسمة الجراح”، واستقبلوا بدفء القلب وإصرار القبضة. وتعلّمت أنّ التّفكير لاحقٌ للفعل ولا يسبقه.

غدًا؟ ماذا غدًا؟ أنا على موعدٍ مع غدٍ يكون فيه لبنان، في عمليّة تغيّرٍ، يكره عليها أهل السّلطة الفاسدة. هل هذا يحتاج إلى وقتٍ كبيرٍ؟ طبعًا… إنّما “وراكم والزّمن طويل”.

أسخر من نفسي أحيانًا عندما أتذكّر سنة ٢٠٥٠، وأقول في نفسي: يا غبي يا نصري.