ربُّ التّصميمِ

ربُّ التّصميمِ

تصوير هدى كرباج نمر

ليلى السيد حسين

ربُّ التّصميمِ

“لعلّ أسوأ ما مرّ على العمارة، هو المعماريُّ نفسه” – فرانك لويد رايت

-تفكيك1-

لعلّ أجمل التّصاميم وأصدقها، غرفةُ الجلوس الّتي كانت قابعةً على جسر الرّينغ. أجمل التّصاميم في عينيَّ أتتْ من “غير-المصمّمين”، ولم يفاخر أحدٌ أنّه ابتكر فنًّا سياسيًّا. أكاد أجزم في سرّي أنّه أروع ما وردَ على بَصري من موجات الفنّ المعاصر. بعيدًا عن الرّينغ، وفي الحقبة نفسها الّتي شيّد فيها جسر فؤاد شهاب (امتداد الرّينغ) عام 1969 الّذي شقّ المدينة عن نفسها، قبع هنري لوفيفر يحلّل ويكتب عن إنتاجات الفضاء وكيفيّة تجلّيها بعدّة ممارساتٍ مكانيّةٍ. قبعنا بدورنا، نحن الطّلّاب والمهندسون والمعماريّون، ندرس ونحلّل ونناقش لوفيفر، وننتشي للفظ اسمه “لوفيفر”، كي نخرج من مساحة الأكاديميا ونعود إلى مساحة الوضوح، الشّارع، ونرى أنّنا لا نعرف ما يعرفه الشّارع. ربّما الثّائر “غير-المصمّم” يعرف لوفيفر أكثر من مجموعة الأكادميّين: غرفة جلوسٍ على جسرٍ إسمنتيٍّ. لقد أدركنا أنّنا نصنع فضاءاتِنا.

-تفكيك2-

دخل النّاس المبانيَ الفارغة. دخلوا التّصاميم دون مصمّميها. هل أردنا وجود جوزيف فيليب كرم كي ندخل “البيضة”؟ أنشئتِ السّينما عام 1965. هي جزءٌ من مجمّعٍ تجاريٍّ كبيرٍ سُمّيَ “سيتي-سنتر”. الشّرنقة الإسمنتيّة الّتي حوَت النّاس، احتضنت نفسها. باتت البيضة جبلًا، وبات النّاس المتسلّقون أبطال المشهد، وباتت قمّة البيضة مركزَ مراقبةٍ لنا. نحن نراقب السّلطة من أعلى العِمارات. المبنى الّذي كان مخطّطًا له أن يكون فضاءً تجاريًّا، بات فضاءً سياسيًّا. على بعد بضعةِ أمتارٍ، وقف النّاس في الصّفوف أمام درج التّياترو الكبير الّذي شيّد عام 1929. هو من تصميم يوسف أفتيموس الّذي صمّمَ وأنشأ مبنى بلديّة بيروت ومبنى بركات على تقاطع السّوديكو. انتشل النّاسُ الحواجزَ واستعادوا المبنى المغلق. وقفوا صفًّا ونظّموا أنفسهم كي يدخلوا المسرح الخاوي. هل أخذ النّاس موافقة المعماريّ قبل تغيير الأنماط المعماريّة؟ نحن من نتلاعب بالهويّات المتحوّلة.

-تفكيك3-

في السّاحة المجاورة، تسلّق شابٌّ تمثال رياض الصّلح وألبسه علمًا لبنانيًّا. وضع العلمَ في يد التّمثال مربّتًا على وجهه، ثم قفز إلى الأرض، وتوارى خلف التّمثال لقضاء حاجته. بعد أيّامٍ، بات للسّاحة مرحاضٌ عامٌّ يقع على حدود ساحة رياض الصّلح المطلّة على ورشة المعماريّ الفرنسيّ جان نوفيل. قدّرت، حينها، تكلفة المشروع بـ149 مليون دولار. أوقفت الورشةُ بسبب اكتشاف آثارٍ مهمّةٍ أثناء عمليّة الحفر. هنا، وضع النّاس مرحاضهم، أمام ورشة جان نوفل وآثاراتنا الرّومانيّة. من حدّد لنا أمكنة مراحيضِنا العامّة؟ من قال إنّ علينا وضعَ المراحيضِ في زوايا البيوت؟

-تفكيك4-

في السّاحات ناسٌ مجتمعون. في السّاحات مصمّمون. في السّاحات ناسٌ اقتربوا كي يشاهدوا التّصاميم عن كثبٍ. في السّاحات مصمّمون وقفوا خلف تصاميمهم. وقفوا قبل تصاميمهم فانفجرت السّاحات بالـ”أنا”. في السّاحة، أحدٌ ما قرّر أنّه يوم “الإبداع اللّبنانيّ”، فتهافت المصمّمون غير منتظمين كي يضعوا أعمالهم في ساحات الثّورة. في السّاحات مجموعة مصمّمين قرّروا أن يشاركوا إبداعاتهم تحت العنوان التّالي: “فنّ وحي الثّورة – ثورةedition”. بين هذه المجموعة، قلاداتٌ وأساور وحليٌّ، طبعت عليها كلمة “ثورة” ووضعت تحت اسم مجموعة “هويّة الثّورة-thawra id”. بات “مصمّمو الثّورة” يهندسون الهويّات أيضًا. وقد قاموا بحفر كلمة “ثورة” على أيّ جمادٍ في المحيط، حتّى كادت الكلمة تختفي. مضحكٌ مبكٍ المشهد. أين اندثر مصمّمو المدينة. لمَ خنقَ أربابُ وربّات التّصميم المدينةَ؟ يضحك

فيليب كرم من أعلى البيضة متأمّلًا المشهد…

-تفكيك5-

نشرت إحدى الفنّانات كتابًا يضمّ أعمالًا فنّيّةً عن الثّورة، وقرّرت إقامة حفل التّوقيع في مبنى يوسف أفتيموس. قرّرت الفنّانة بيع الكتاب بقيمة 120$!

-تفكيك6-

كتب أحدُ المصمّمين كلمة “ثورة” على حذاءٍ أبيض. أسمى الفنّانُ هذا العمل: ثورة سنيكرز.