النّظام الضّريبيّ في خدمة الأوليغارشيّة

النّظام الضّريبيّ في خدمة الأوليغارشيّة

تصوير هدى كرباج نمر

نبيل عبدو

النّظام الضّريبيّ في خدمة الأوليغارشيّة

نجحت الأوليغارشيّة في لبنان بزرع أساطير عديدةٍ في عقول اللّبنانيّين من أجل ترسيخ حكمها٬ وعدم المسّ بالمنظومة الاقتصاديّة، وحصد دعمٍ شعبيٍّ لهذه المنظومة. ويعتبر تثبيت سعر صرف اللّيرة بدعم من المصرف المركزي أحد أهمّ هذه الأساطير الّتي استعملت للدلالة على عافية الاقتصاد الوطني والّتي انبثقت عنها أوهامٌ أخرى أبرزها أنّ العبء الضّريبيّ في لبنان عالٍ جدًّا. فسمح هذا الاعتقاد الشّائع بتأمين غطاءٍ شعبيٍّ لرفض أيّ تعديلٍ جوهريٍّ بالنّظام الضّريبيّ اللّبنانيّ، كما شهدنا في الأعوام الماضية، تحت حجّة عدم تحميل اللّبنانيّين المزيد من الأعباء. فمثلًا، تمّت تعبئة النّاس على رفض زيادة الضّريبة على الدّخل النّاتج عن الفوائد من ٥ إلى ٧٪ بحجّة أنّها غير عادلةٍ كونها تطال ودائع محدودي الدّخل وودائع الأغنياء على حدّ سواء، بالرّغم من أنّ أقلّ من ١٪ من الحسابات المصرفيّة تستحوذ على أكثر من نصف الودائع فيما تشكّل الحسابات الصّغيرة ١٣.٥٪ من الودائع فقط.  فنزول النّاس إلى الشّارع لرفض الضّرائب بالمطلق، هو نتيجة تسويق هذه الأوهام لأنّ أيّ مسٍّ في جوهر النّظام الضّريبيّ هو مسٌّ في جوهر النّظام الاقتصاديّ الّذي يستغلّ النّاس. إذًا، وعلى عكس الاعتقاد الشّائع، فالعبء الضّريبيّ في لبنان متدنٍّ، إذ أنّه يصل إلى ١٦٪ فقط من النّاتج المحلّيّ مقارنةً بـ٢٠٪ في المغرب و٤٦٪ في فرنسا! فالمشكلة ليست في الضّرائب، بل في مَن يدفعها.

قامت “الرّؤية” الاقتصاديّة في لبنان، بعد الحرب، على استعادة إحدى أهمّ الأنماط والخصائص الاقتصاديّة الّتي كانت موجودةً قبل الحرب، أي اقتصاد خدماتيّ يقوم على استجلاب الرّساميل لتمويل إعادة الإعمار وردم العجز في ميزان المدفوعات نتيجة العجز التّجاريّ. باختصار، كان الهدف جذب الدّولارات لاستعمالها في تثبيت سعر صرف اللّيرة لاحقًا. فعلى هذا الأساس، جسّدت الإصلاحاتٌ الضريبيّةٌ لعام ١٩٩٤ الرّؤية النّيولبراليّة الّتي قضت بمنح كلّ التّسهيلات الممكنة للرّساميل والاستثمارات. فتمّ إلغاء الضّريبة التّصاعديّة على أرباح الشّركات الماليّة (من ضمنها المصارف) الّتي كانت تصل إلى ٥٠٪ للشّطر الأعلى واستبدالها بضريبةٍ موحّدةٍ بـ١٠٪، وتمّ استبدال الضّريبة على الأموال المنقولة (الودائع) الّتي كانت تتراوح بين ٦ و١٥٪ بضريبةٍ موحّدةٍ بقيمة ٥٪ مع استثناء الدّخل المتأتّي من فوائد الودائع وسندات الخزينة.

ساهمت هذه الإجراءات الضريبية بترييع الاقتصاد وسمحت للمصارف بمراكمة الأرباح. فمثلًا، بين عامي ١٩٩٣ و٢٠٠٢، لم يكن هناك أيّ ضريبةٍ على فوائد الودائع وسندات الخزينة الّتي كانت تشتريها المصارف بمعظمها. علماً أنّ معدّل الفوائد على سندات الخزينة كان بحدود الـ ١٨٪، مسجّلاً ٤٠٪ أحياناً. كلّ هذا، من دون أن تحصّل الخزينة العامّة أيّ ضريبةٍ. وحين تمّ إدخال ضريبة ٥٪ على الفوائد، تمّ إعفاء المصارف منها عبر حسمها من ضريبة الأرباح، كما تمّ استثناء سندات اليوروبوند من هذه الأخيرة. أدّت هذه السّياسات إلى تورّم رساميل المصارف من ١٢٣ مليون دولار في ١٩٩٠ لتصل إلى ٧ مليار دولار في عام ٢٠٠٨. في المقابل، جرى تحرير التّجارة بشكلٍ أحاديٍّ في العام ٢٠٠٢، وتمّ إلغاء العديد من الرّسوم الجمركيّة؛ فأصبح الاقتصاد اللّبنانيّ الأكثر  انفتاحًا في المنطقة لتراوح الرّسوم الجمركيّة على معظم السّلع بين ٠ و٥٪، ما أدّى إلى إضعاف أحد أهمّ العوائد الضّريبيّة، وتعميق استنزاف الدّولارات عبر تضخّم الاستيراد، والأهمّ تفكيك الصّناعة من أجل خدمة أصحاب الوكالات الحصريّة والتّجّار. فعلى سبيل المثال، خسرت الصّناعة أكثر من ١٢ ألف وظيفة بين ٢٠٠٤ و٢٠٠٩. 

باختصارٍ، حصّن هذا النّظام الضّريبيّ مصالح الأوليغارشيّة اللّبنانيّة؛ فعاقب الإنتاج، وشجّع على الرّيع ومراكمة الأرباح السّريعة عبر إيداع الرّساميل في المصارف والاستفادة من الفوائد العالية على الودائع وإقراض الدّولة اللّبنانيّة من دون تحمّل أيّ عبءٍ ضريبيٍّ يذكر. وعادى الطّبقة العاملة، إذ أنّه لم يكتف بتشجيع الأنشطة الّتي لا تنتج فرص عملٍ، بل إنّه استمرّ بتحميل الأجراء عبئًا ضريبيًّا يكاد يوازي عبء الشّركات الماليّة. بالتّالي، يتعامل النّظام الضّريبيّ اللّبنانيّ مع مداخيل وأجور العمّال بالطّريقة نفسها التي يتعامل بها مع مداخيل حاملي السندات، المرابون الذين يجنون أرباحهم الطائلة من أموال الطّبقة العاملة الّتي تتحمّل القسم الأكبر من العبء الضريبي، بينما يكاد يعفى المصرفيّون والمطوّرون العقاريّون والمؤسّسات الدّينيّة والطّائفيّة وأصحاب الوكالات الحصريّة المتحكّمون بمفاصل الحكم من معظم الضرائب. فاستعادة الأموال المنهوبة لا تكون عبر شعاراتٍ فارغةٍ حول صفقاتٍ وعمولاتٍ، بل عبر قلب هذا النّظام الضّريبيّ رأسًا على عقب.