أبيض مثل الثّلج

أبيض مثل الثّلج

رامي راجح

أبيض مثل الثّلج

أحيانًا، نعود إلى الماضي البعيد ونستحضر بعض الرّوايات ونأخذ منها العبر. وبدورنا، نتعلّم ونتأكّد من أنّ التّاريخ له مسارٌ واحدٌ ودائمًا إلى الأمام. جاء كلّ هذا بعد إطلالة حاكم مصرف لبنان الأخيرة مع مارسيل غانم، والّتي كانت بمثابة مسحوقٍ للغسيل مخصّصٍ للّون الأبيض حيث لا يترك أيّة بقعةٍ مهما صغرت.

أسئلةٌ محضّرةٌ بإتقانٍ ومسارٌ يوصلك لعظمة هذا الرّجل، وبخاصّةٍ غير المسبوق بإدارة السّياسة النّقديّة للدّولة كما لقطاع المصارف وعلى امتداد العقود الّتي قضاهاحاكمًا“. وهو اليوم يطلب صلاحيّاتٍ استثنائيّةً من الحكومة لاتّخاذ الإجراءات القانونيّة المناسبة لحلّ الأزمة الماليّة الحاليّة.

حاكم مصرف لبنان يطلب ويريد صلاحيّاتٍ متجاهلًا أنّ قانون النّقد والتّسليف أعطاه من الصّلاحيّات ما لا يتوفّر لأيّ حاكم مصرفٍ مركزيٍّ في العالم. هذا الحاكم الّذي ارتبط اسمه بكلّ الشّوائب الّتي أحاطت بالقطاع المصرفيّ وبكلّ المصائب الّتي ألمّت بأموال المودعين في عددٍ من المصارف الّتي أفلست احتياليًّا أو تعرّضت لضغوطٍ ومخالفاتٍ ناتجةٍ عنها، أدّت إلى إغلاقها كبنك “MEBCO” لأصحابه آل الجلبي وبنكغلوب بنكوبنك المدينة واللّائحة تطول.

هذا الحاكم يطلب صلاحيّاتٍ استثنائيّةً ليتحكّم، مع شركائه في المصرف، برقب صغار المودعين أكثر وأكثر وليشرع ما تقوم به المصارف من مخالفاتٍ لقانون النّقد والتّسليف بما يسمّى، أو بما تمارسه هذه المصارف من “capital control”، أي أنّها تخالف قانون الملكيّة الفرديّة وهي مخالفةٌ للدّستور وليس فقط لقانون النّقد والتّسليف.

نذكر الحاكم، لعلّ تنفع الذّكرى بالمواد ١٣ و٨٨؛ بحيث الأولى تحدّد أنّ المصرف المركزيّ شخصٌ معنويٌّ ويتمتّع بالاستقلال الماليّ ويعتبر تاجرًا في كلّ علاقاته مع الغير وحتّى الدّولة، فهي من الغير بالنّسبة إلى المصرف. فهل هناك من تاجرٍ، في كلّ أنحاء العالم، يوظّف أو يعطي أمواله بخسارةٍ؟

أمّا المادّة ٨٨ فهي تنصّ حرفيًّا على ما يلي:

تقترض الدّولة بنسبة ١٠٪ من واردات ميزانيّتها العاديّة للسّنوات الثّلاث الأخيرة المقطوعة حسابتها على أن لا تتجاوز مدّة التّسهيلات الممنوحة للدّولة أربعة أشهر.”

فالسّؤال للحاكم الطّالب الصّلاحيّات الاستثنائيّة: على أيّ أساسٍ اقترضت الدّولة على امتداد السّنوات الأخيرة؟

للتّذكير، أكثر من عشر سنواتٍ بلا ميزانيّةٍ وأكثر من ثلاث ميزانيّاتٍ قامت بدون قطع حسابٍ؛ فيا للعجب ولعظمة هذا الحاكم الّذي لا نجد في سجلّه إلّا تمويلًا لمنظومة الفساد! ولأنّ المادّة ١٣ من قانون المصرف تحدّد أنّه تاجرٌ، فبالتّالي هو شريكها.

بالعودة إلى المقدّمة، ما يُستحضر من الرّوايات التّاريخيّة بالحديث عن حاكم مصرف لبنان هو رواية عمرو بن هند الّذي جمع بين قبيلة بكر وقبيلة تغلُب لحلّ الخلاف المستعصي بينهما، وهو ما يحاوله الحاكم بطلبه الصّلاحيّات الاستثنائيّة لحلّ الخلاف بين أصحاب المصارف والمودعين. ومجدّدًا،متجاهلًاأنّ في زمن عمرو بن هند، جاء عمرو بن كلثوم قائلًا:

ألا لا يجهلنّ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين

تهدّدنا وتوْعدنا رويدا  متى كنّا لأمّك  مقتوينا

ونضيف باسم صغار المودعين وللشّاعر نفسه:

إذا بلغ الفطام لنا صبي تخرُّ له الجبابر ساجدينا

فمهلك أيّها الحاكم