دولة من نريد؟

دولة من نريد؟

دولة من نريد؟

محمد بزيع

دولة من نريد؟

الأدبيّات الماركسيّة واضحةٌ في ما يخصّ الدّولة. الدّولة هي ديكتاتوريّة الطّبقة المسيطرة في كلّ مجتمعٍ، أي أنّها الجهاز الّذي يحمي ويؤمّن مصالح الطّبقة المسيطرة. والأجهزة الأمنيّة هي “الجهاز القمعيّ” لهذه الطّبقة، أي الذّراع العسكريّة الّتي تحمي مصالحها بالقوّة. هذا التّعريف ينطلق من الموضوعيّ لا الأخلاقيّ، وهذا هو الواقع الجليّ في لبنان على مختلف الصّعد. اتّفاق الطّائف الّذي أنهى الحرب، أعلن قيام الدّولة الّتي نراها اليوم؛ الدّولة الّتي تستدين من المصارف ومن كبار المودعين وتعطيهم الفوائد العالية، أي تجمع الأموال من النّاس وتعطيها للمصارف والدّائنين. الدّولة الّتي كان يجلس مصرفها المركزيّ وحاكمه كحارس هيكل المصارف وأموالها طوال ثلاثين عامًا. الدّولة الّتي تشرّع وتحمي الاحتكارات التّجاريّة وبالتّالي تزيد من خسائر المجتمع وكلفة عيش المقيمين في لبنان. الدّولة الّتي تشجّع المضاربات العقاريّة وتُعفي شركات العقارات من الضّرائب. الدّولة الّتي تعلن استسلامها وتخلّيها عن تأمين الماء والكهرباء لمواطنيها وتتركهم عرضةً لافتراس كارتيلات المياه والموتورات. الدّولة الّتي تتخلّى عن البيئة وتتركها ضحيّةً لرأس المال والمشاريع المشبوهة. بناءً عليه، ليس صعبًا أن نعرّف دولةً من هذه. إنّها دولة هؤلاء المستفيدين ممّا ذُكر وغيرهم، الّذين يراكمون مليارات الدّولارات من الأرباح سنويًّا مستفيدين من بؤس النّاس وإفقارهم أكثر وأكثر.

اليوم، تظهر الحكومة الوليدة بشكلٍ أوضح من أيّ وقتٍ مضى على أنّها محض جهازٍ يعمل لتأمين مصالح الأوليغارشيّين. بدأ الرّئيس دياب عهده بالاجتماع بجمعيّة المصارف، وبدأ الحديث عن قوننة إجراءاتهم غير المشروعة والعدوانيّة تجاه المواطنين عبر احتجاز ودائعهم ورواتبهم الّتي هي سبل عيشهم. بدأ الحديث عن منح رياض سلامة صلاحيّاتٍ استثنائيّةً، ربّما مكافأةً له على مخادعة الشّعب اللّبنانيّ طوال ثلاثين سنة. بدأت الحكومة عهدها بالتّعهّد باستمرار دفع أموال النّاس للدّائنين وبالاجتماع مع صندوق النّقد وطلب خبرائه.

لقد اتّخذت الحكومة اللّبنانيّة خيارها. إنّها في خدمة المصارف، لا في خدمة الشّعب. وهي على طريق تبنّي مقترحات صندوق النّقد، أي الهجوم على الطّبقات الشّعبيّة بالتّقشّف وزيادة الضّرائب على النّاس والتّوقّف عن دعم السّلع وتحويل الودائع من الدّولار إلى اللّيرة وتعويم اللّيرة ووقف التّوظيف في القطاع العامّ. كلّ هذا في حين ترفض الدّولة المسّ بمقدّساتها، أي المصارف، إن كان بإعادة هيكلةٍ للدّين العامّ أو اقتطاع حصّةٍ من ودائع كبار المودعين.

والأجهزة الأمنيّة هي الأخرى بطبيعة الحال ستكون في خدمة هذه الطّبقة. كان هذا واضحًا منذ نشرت وزيرة الدّاخليّة المخلوعة “ريّا الحسن” عناصر القوى الأمنيّة على أبواب المصارف. لماذا؟ ضدّ من؟ ضدّ النّاس المنتظرين للحصول على ودائعهم؟ واستمرّ هذا في ممارسات قوى الأمن وباقي الأجهزة القمعيّة، بالتّوقيفات التّعسّفيّة والملاحقات واللّامهنيّة في أداء الأجهزة وصولًا للإهانات والعنف المفرط، حتّى فقد عددٌ من رفاقنا في الانتفاضة أعينهم. تحوّلت الأجهزة الأمنيّة إلى أجهزة أمن المصارف، وبلغ الأمر سورياليّة أن يكون وزير الدّاخليّة الحاليّ “محمّد فهمي” مديرًا سابقًا لأمن أحد المصارف. من المتوقّع أيضًا أن تتصدّى وتستشرس القوى الأمنيّة والعسكريّة في حماية النّوّاب – المتوافدين لمنح الحكومة الثّقة – من شعبهم! ليست المسألة شخصيّةً مع أجهزة الأمن. نحن نعرف أنّهم حُماة الدّولة، ولذا السّؤال هو دولة من نريد؟ وأيّة دولة يجب أن تحمي هذه الأجهزة؟ دولة الأوليغارشيّين من مصرفيّين وعقاريّين ومحتكرين وفاسدين أم دولتنا الشّعبيّة؟