موسيقى الثّورة أم ثورة الموسيقى؟

موسيقى الثّورة أم ثورة الموسيقى؟

تصوير طارق مقدّم

موسيقى الثّورة أم ثورة الموسيقى؟ | زياد الأحمديّة

السّؤال الّذي يطرحه كلّ موسيقيٍّ هو: ما المعيار الّذي يجب اتّباعُه لتقييم نجاح أغنيةٍ أو عملٍ موسيقيّ؟ 

أهو اللّحن، التّوزيع، القالب، الجماهير، البساطة، التّعقيد، القدرات التّقنيّة أم العفويّة؟

قد لا يكون المعيار شيئًا ممّا سبق، وقد يكون مجموع هذه العناصر معًا.

الجميع يتّفق على أنّ الموسيقى وسيلة تعبيرٍ عن أفكار مؤلّفها وأحاسيسه، وأنّها عمليّة إبداع، تبدأ بومضةٍ تجتاح المؤلّف أو الملحّن، لكنّه يُخضعها لتجارب ومراجعاتٍ متكرّرةٍ قبل تقرير الشّكل النّهائيّ لها، وتقديمه كمُنتجٍ لجمهورٍ قد يقبله أو يرفضه. وكما اختلفت لغات الشّعوب المحكيّة، تختلف لغتهم الموسيقيّة والإبداعيّة. ولذلك، تختلف المدارس والطّرق والأذواق والأهواء باختلاف الشّعوب، لا بل الأفراد في المجتمع الواحد.

لقد أجمع النّقّاد على اعتبار بعض الأسماء العالميّة أو العربيّة محطّاتٍ نوعيّةً في التّاريخ الموسيقيّ (كلاسيكيّ – جاز- أدوار- موشّحات… )، وصارت هذه الأسماء مراجع يقتدى بها. والنّقد العلميّ الّذي يتناول نتاجها، يعطينا تشريحًا وتحليلًا وتوضيحًا لمَواطِن الجمال فيها، لكيفيّة تحرّرها صوب مدى جماليٍّ أبعد، بعد كسرها قاعدةً موروثةً، ولدفعها بالفكر والذّوق الإنسانيّ إلى ما بعد الموروث والمألوف. هكذا، تحدث عمليّة التّطوّر، باستمرار هذه الحالة من معرفة الموروث، الامتلاء به، تشريحه وتفكيكه، ثمّ بوضعه في اتّجاهاتٍ جديدة.

والأمثلة على ذلك كثيرةٌ: قضى برامس Brahms عشرين عامًا يمزّق كلّ محاولاته، ليقتنع ويقرّر الشّكل النّهائيّ لسمفونيّته الأولى، حرصًا منه على خلق لغته الخاصّة متحرّرًا من كلّ ما ورثه عن بيتهوفن. وحمل سيّد درويش كلّ تراث القرن التّاسع عشر قافزًا به إلى القرن العشرين، مقدّمًا أدوارًا وموشّحاتٍ وطقاطيقَ وأشكالًا موسيقيّةً أخرى، شرّعت الأبواب لمن بعده على احتمالاتٍ لحنيّةٍ وتعبيريّةٍ جديدة. وبعده كان محمّد عبد الوهّاب، الحالة الفذّة في هضم كلّ قديمٍ، ثمّ إبداع ألحانٍ جديدةٍ من صلبه، والسّير بها نحو أفقٍ أوسع.

الحالة الإبداعيّة إذًا عمليّة إنتاجٍ فكريٍّ تعتمد على مخزون الشّخص، موهبته، قدرته، مجهوده وجرأته على كسر المعتاد، بخروجهِ إلى فضاءٍ أكثر حرّيّة، مكرّسًا مفهوم “كسر القاعدة” في الموسيقى، خالقًا مرحلةً جديدةً ستصبح بدورها قيودًا  قابلةً للكسر تنتظر مبدعًا آخر.  هكذا تنضج التّجربة الإنسانيّة، في صيغةٍ جدليّةٍ دائمة.

لا شكّ أنّ المؤلّف الموسيقيّ ينتقي عادةً مواضيع أعماله من تجربةٍ مُعاشةٍ، حدثٍ سياسيٍّ، أو أيّ موضوعٍ آخر يستفزُّ مشاعره وفكره ويحثُّ فيه عمليّة الإبداع. فيبدأ بتنقيّة الأفكار وانتقاء الأجمل منها وغربلة الاحتمالات اللّانهائيّة لتركيباتٍ إيقاعيّةٍ ونغميّةٍ وهارمونيّةٍ وآلاتيّة.

وهنا يبدأ الجدل.

ما الّذي يجعلنا نقيّم أغنيةً ما إيجابًا؟ هل كلّ أغنيةٍ موضوعها سامٍ ونبيلٌ وجدّيّ، وطنيّ، أو ثوريّ كوننا في خضمّ ثورتنا، هي أغنيةٌ “جيّدة”؟ ألا يجعلنا ذلك نصفّق لأغنيةٍ لا ترقى إلى مستوى الأغنية العاديّة، لأنّها تستفزُّ مشاعر غرائزيّةٍ وأحاسيس وطنيّةٍ ليس لها مضمونٌ موسيقيٌّ يُذكر؟ هذا من حيث الموضوع.

الأمر سيّان من حيث الشّكل، أي نوع المؤلَّف. هل تبهرنا الأوركسترات وضخامة الإنتاج على حساب المضمون الحقيقيّ للعمل الموسيقيّ؟ كم من أغنيةٍ خُلِّدت وسمعناها من مغنٍّ بمرافقة عودٍ فقط (أو آلةٍ موسيقيّةٍ واحدةٍ) في مقابل أعمالٍ خاويةٍ برغم ضخامة فرقها الموسيقيّة وغناها. 

إذًا، “يجب تقييم العمل الفنّيّ بمعزلٍ عن موضوعه وعن الشّكل الّذي يُطرح به”. فهذان العنصران لا يؤثّران على قيمة المنتج الموسيقيّ، من غير أن نشمل أو نعمّم، لأنّ الجمال والإبداع موجودان في كلتا الحالتين وقد لا يكونان موجودين في كلتا الحالتين.

أمّا الحديث عن نجاحٍ جماهيريّ، انتشارٍ واسعٍ للأغنية، نسبة متابعةٍ واستماعٍ عالية… فهو حديثٌ عن معيارٍ لا يمكن جعله معيارًا تقييميًّا للعمل الفنّيّ، ولهذا نقول: “كلّما زادت ثقافة المستمع، أصبحت مهمّة المؤلّف أصعب. فأن تؤلّف لجمهورٍ مثقّفٍ، يفرض عليك أن تقدّم عملاً يخاطب مستوى معرفتهم.” 

نعني بهذا أنّ لا علاقة لنجاح الأغنية أو العمل الموسيقيّ بالقيمة الفنّيّة الفعليّة لهذا العمل. الإنسان يستطيع التّعوّد على أيّ شيء. والارتقاء يحصل عندما يزداد مخزوننا السّمعيّ وتصبح لدينا القدرة على المقارنة والتّحليل بين جميع ألوان الموسيقى دون الشّعور بالخوف من الغور في ألوانٍ وأنماطٍ موسيقيّةٍ جديدةٍ علينا. هنا، فقط، نصبح قادرين على معرفة الجيّد من السّيّئ، ومحصنّين لا تغرُّنا بهرجات التّوزيع أو حتّى بساطة الأداء. 

إنّ الحالة الإبداعيّة ليست نزوة، بل حالة تجلٍّ يعيشها المؤلّف ويستمع فيها لمكنونات نفسه ليصوغ بعدها، ما سمحت له موهبته ومعرفته معًا، منتجًا فنّيًّا يضمّه لتاريخ التّجربة الإنسانيّة الفنّيّة…”