انغماس المسرح بالثّورة، انغماس الثّورة بالمسرح

انغماس المسرح بالثّورة، انغماس الثّورة بالمسرح

رسم حامد كبّارة

انغماس المسرح بالثّورة، انغماس الثّورة بالمسرح | عليّة الخالدي

عشيّة السّابع عشر من تشرين الأوّل، كنت فيسرفيسمن الحمرا إلى الأشرفيّة لكي أشاهد مسرحيّةً في شارع مونو، وإذ بي أجد نفسي محتجزةً في النّفق. كانت المدينة كلّها وكأنّها “انشلّت” أمامنا. وكانت الزّمامير تلعلع على حيطان النّفق والنّاس في ضيقٍ متصاعدٍ؛ فالأصداء كانت تصمّ الآذان. دفعت للسّائق وخرجت سيرًا. لم أكن قد شاهدت الدّعوة على إحدى صفحات الفيسبوك، لكن ما إن وصلت إلى منتصف جسر الرّينغ حتّى أخرجت هاتفي وسجّلت مسيرتي على الفيديو. وعندما وصلت، وجدت زميلتي في الجامعة وإحدى تلميذاتي السّابقات وقد شبكتا أيديهما مع حوالي ثلاثين آخرين، وجوه معظمهم مألوفةٌ وهم ثابتون يهتفون بقوّة. كانت الشّرطة قد وصلت للّتوّ وبدأت تحاول تفريقهم. شعرت وكأنّني قد دخلت في خضمّ مشهدٍ من مشاهد مسرحيّةٍ انغماسيّة.

إنّهم يعيدون كتابة قوانين المسرح،هل هذه ثورةٌ في المسرح؟“، “أظنّ أنّ النّاس في هذه الأيّام يبحثون عن شيءٍ مختلفٍ تمامًا في المسرح“. بهذه الكلمات وصف النّقّاد فرقةبنشدرنك“، إحدى أهمّ فرق المسرح الانغماسيّ في بريطانيا. دعنا نعيد قراءة هذه الجُمل ونستبدل كلمةسياسةبكلمةمسرح“. “إنّهم يعيدون كتابة قوانين السّياسة،هل هذه ثورةٌ في السّياسة؟،أظنّ أنّ النّاس في هذه الأيّام يبحثون عن شيءٍ مختلفٍ تمامًا في السّياسة.

في الأيّام والأسابيع الّتي تلت ١٧ تشرين، انغمس كلّ اللّبنانيّين بثورةٍ تشبه في قوانينها قوانين المسرح الانغماسيّ. “خارج أعراف المسرح السّياسة التّقليديّة، الجمهور النّاس يُترَكون ليكتشفوا بأنفسهم المساحة المسرحيّة السّياسيّة وعلى وقع سرعتهم هم.” 

هذه التّماثلات بين المسرح الانغماسيّ وثورة ١٧ تشرين في لبنان هي حقًّا جديرةٌ بالتّأمّل. فالثّورة قد أسقطت كافّة القوانين والأعراف السّائدة منذ ثلاثين عامًا. هذه المرّة، قرّر النّاس أن يصيغوا قوانين خاصّةً بهم. أنا أنتمي إلى جيلٍ لم يخرق القوانين بتّة، إلى جيلٍ كان مثاليًّا أكثر ممّا ينبغي، إلى جيلٍ طمح إلى حياةٍ أفضل في يومٍ ما. أمّا هذا الجيل الجديد من الثّوّار الّذي أتبع خطاه اليوم، فهو لن ينتظر قدوم ذاك اليوم السعيد، فهو يصنع الحاضر والمستقبل الآن وفي هذه اللّحظة بالذّات. فقد قذف الثّوّار بنا جميعًا داخل مسرحٍ انغماسيٍّ حيث كان من الضّروريّ لنا أن نستكشف طريقنا بأنفسنا، وفي خضمّ ممثّلين جددٍ ووقائع جديدةٍ ومساحاتٍ جديدة. نبحث في مدينتنا، وهي المدينة المألوفة والبعيدة عنّا في آنٍ معًا. اليوم نمشي في شوارعها وكأنّنا نمتلكها، ننتمي إليها ونشعر أنّنا مسؤولون عنها. وهذا الأمر واضحٌ تمامًا في كافّة السّاحات الّتي تجمّع فيها الثّوّار. فقد أتاح لنا هذا الجيل الفرصة كي نفكّرمن خارج القوالب الجامدة“. غمسنا هذا الجيل في طرابلس حيث مطبخ السّيّدة ليندا، غمسنا في جلّ الدّيب لكي نستعيد الجسور الّتي بنتها الدّولة بعد سنين من الفساد، غمسنا في خيم عاليه الّتي تحدّت حكم الواحد الأحد، غمسنا في خيم صور وكفر رمّان وبعلبكّ وحلبا وزحلة وقبّ الياس والمئات الأخرى من خيم أصغر تمتدّ على مساحة الوطن بأسره. غمسنا الثّوّار في خضمّ ممثلّين لبنانيّين جُدد، ينبذون الطّائفيّة والعنصريّة والطّبقيّة والذّكوريّة والهوموفوبيا. هذا الجيل أتاح لنا أن نصبح كما نحن عليه في واقع الأمر، متمسّكين بفرديّاتنا ومشاركين في هذه الحشود المنتفضة. وهذا بالضّبط ما يسعى إليه المسرح؛ فهو يخلق ما يسمّيه أرسطوكاثارسيس“، أي تنقيّة العواطف وصفائها بعد مخاضها العسير. هذا الجيل قد أمسك بقلب ذاك الـكاثارسيسالموغل في القدم، ومضى به قدمًا وبسرعة الضّوء نحو المستقبل.

الفنّانون الّذين يعملون فيبنشدرنك“، يصفون إحدى مسرحيّاتهم بما يلي: “إنّها مسرحيّةٌ كلّما استثمرت فيها كمشاهد، كلّما ازداد ما تحصل عليه منها.” وهذا بالضّبط مغزى هذه الثّورة؛ إذ كلّما تعاظمت مشاركتنا بها، كلّما ازداد ما سنحصل عليه منها.