تشرين العراق الأحمر: ثورة اجتماعيّة ضدّ الطّائفة

تشرين العراق الأحمر: ثورة اجتماعيّة ضدّ الطّائفة

تصوير هادي بو عيّاش

تشرين العراق الأحمر: ثورة اجتماعيّة ضدّ الطّائفة | وَدود حَمَد

يُسطِّر الشّباب العراقيّ مَلحمةً تاريخيّةً لم يشهد مثيلها العراق الحديث. إنّه أعظم جيلٍ عَرفه العراق. تَلاحُم الطّبقات المُستضعفة والمهمّشة في هيكليّةٍ عُضويّةٍ متناسقةٍ شامخةٍ في خيالها وإصرارها، مُتحدّيةً الواقع القذر والمرير الّذي يُجسِّده نظامٌ طُفيليٌّ قادمٌ مع المُحتلّ الأمريكيّ ومدعومٌ إيرانيًّا. إصرارٌ عنيدٌ لجيلٍ وُلِدَ إبّان الحصار الاقتصاديّ الأمريكيّ العنيف ضدّ شعب العراق، أو بُعيد الاحتلال الأمريكيّ في زمن تأسيس الطّائفيّة السّياسيّة. جيلٌ مُنفتِحٌ على العالم الخارجيّ وعميقٌ في تعامله مع الوضع – معرفيًّا وثقافيًّا وأخلاقيًّا – تمكّن مِن نَفض غبار الصّراع العقائديّ، وموضوعيٌّ في تقييمه الواقع دون أن يُساوم على مفهوم الحرّيّة والسّيادة. ثوّار العراق قدّموا مثالًا ناضجًا لمفهومي الوطن والمواطنة. ويستمرّون، بالزّخم نفسه، مئة يومٍ بعد انطلاق الثّورة في ١ تشرين الأوّل ٢٠١٩ في مظاهراتٍ ومسيراتٍ تُزيّن وسط وجنوب العراق. 

# نريد_وطن

لقد أُلغيَ مفهوم الوطن من القاموس العراقيّ لعقودٍ طويلة؛ إذ سلّطَ نظام البعث فكرًا إقصائيًّا لمفهوم المواطنة، وجنّدَ المفهوم العقائديّ القوميّ، والتّهميش المتعمّد لنسبةٍ كبيرةٍ من سكّان البلد؛ إلّا أنّ انتماء الفرد بقيَ ضمنيًّا للعراق. وتعقّدت المسألة كثيرًا بعد الغزو والاحتلال الأمريكيّ، وتسليم الحكم لنخبةٍ من السّياسيّين – البعيدين عن همّ الإنسان العراقيّ – تمثّلت بجموعٍ من الحركات المذهبيّة والقوميّة الّتي اعتمدت تنظيميًّا وفكريًّا على الأجنبيّ أساسًا.

جاءت سيطرة الأحزاب السّياسيّة الإسلاميّة الشّيعيّة على سيرورة الأمور في العراق، بعد أن أرسى المُحتلّ الأمريكيّ دستورًا مبنيًّا على أسسٍ طائفيٍّة-عِرقيّةٍ لم يتداول بها مؤسّساتيًّا من قبل. فالمشاكل والاختلافات في العراق، ولا سيّما خلال حكم البعث الدّيكتاتوريّ، كانت سياسيّةً أساسًا. ولكن، استغلّت الأحزاب الإسلاميّة الشّيعيّة – والسّنّيّة – المسألة الطّائفيّة (والكُرد المسألة القوميّة) أبشع استغلالٍ في تمرير نظرتها السّياسيّة للسّيطرة على النّاس، وتأجيج مشاعر الخوف والهلع من الآخر. كما استثمرت هذه الأحزاب تدمير المُحتلّ الأمريكيّ المتعَمّد للبنى التّحتيّة للبلد في فرض تبعيّتها الفكريّة والسّياسيّة لإيران. وفي خضمّ هذا الوضع المريض، ازداد النّفوذ الإيرانيّ سطوةً على النّاس والبلد، لا سيّما بعد ٢٠١٠، من خلال ممارسات الأحزاب الإسلاميّة والميليشيات العسكريّة الّتي بادرت إيران في تأسيسها لضمان نفوذها وسيطرتها على المسرحيّة السّياسيّة في العراق. جلّ القادة الإيرانيّون، ولاسيّما قائد فيلق القدس في الحرس الثّوري الإيرانيّ – الجنرال قاسم سليماني، كان مؤمنًا أنّ خلق إيران قويّةً يتطلّب عراقًا ضعيفًا ومُشرذَمًا. وبالتّالي، نفّذت إيران نهجها من خلال الأحزاب الإسلاميّة الشّيعيّة الّتي كان لها همّان، لا ثالث لهما: أوّلًا، الخضوع المطلق للرّأي والنّفوذ الإيرانيّ كجزءٍ أساسٍ من الفكر العقائديّ الإسلاميّ الشّيعيّ؛ وثانيًا، نهب إمكانيّات وثروات البلد دون وازع. إذ لم تستثمر هذه الأحزاب فِلسًا واحدًا في مدن وسط وجنوب العراق، أو منطقة الثّورة – المُسمّاة حاليًّا مدينة الصّدر، والتي شُيّدَت بعد ثورة ١٤ تمّوز ١٩٥٨ الّتي أسّست الجمهوريّة العراقيّة – ولم تسعَ إلى بناء وتطوير البنية التّحتيّة في هذه المناطق ذات الغالبيّة الشّيعيّة والمهملة منذ عقودٍ والمنهَكة لسنين من الحروب العبثيّة والحصار الاقتصاديّ الأمريكيّ الجائر.

كان ردّ فعل الحكومة العراقيّة والميليشيات المتحالفة معها عنيفًا ضدّ حجم التّغيير الاجتماعيّ/السّياسيّ الدّاعي له الثّوّار. فالطّائفيّة المؤسّساتيّة هيكليّةٌ سياسيّةٌ أساسًا. والطّائفة ليست تركيبةً عضويّةً طبيعيّةً في أيّ مجتمعٍ، بل تحتاج إلى منظومةٍ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ تدعم وجودها. وتقف هذه الطّائفة أساسًا ضدّ مفهوم الوطن والمواطنة. من هذا المنطلق، يجب استيعاب صرخة ثائرات وثوّار العراق ضدّ منظومة الفساد الحكوميّ والميليشيات الطّائفيّة الّتي تحميها، وضدّ فكرة الطّائفة برمَّتِها. نحن نشهد في العراق بداية ثورةٍ اجتماعيّةٍ كُبرى، للمرأة دورٌ بارزٌ فيها، ستغيّر تنظيم العلاقات المجتمعيّة. ولكنّ الثّورات لها جدليّتها، وديمومتها مرتبطةٌ بدرجة الوعي العامّ والتّمسّك بمبادئها المعلنة والضّمنيّة: السّلميّة والمواطنة.