عن حراكٍ في خطر

عن حراكٍ في خطر

تصوير حسين بيضون

عن حراكٍ في خطر | عمرو صلاح

ربّما كان قدرًا أن يكون لبنان أكثر بلدٍ زرته في حياتي، وأن أقضي فيه شهورًا في عام 2018، وأن أحمل  قدرًا كبيرًا وخاصًّا من الحبّ له. ولا أبالغ إن قلت لك أنّي تمنّيت، ولا زلت، قضاء حياتي كلّها في لبنان.

حينما انطلق الحراك اللّبنانيّ، زاد تعلّقي، ليس فقط لأنّ كثيرًا ممّن أعرفهم في قلبه، لكن لكونه أيضًا امتدادًا لحراكٍ أوسع منذ سنواتٍ في منطقةٍ تخلّفت عن العالم بقدر بقاء ومناورة الاستبداد فيها.

لكن لا أخفي عليك أنّي صرت أشعر مؤخّرًا بقلقٍ تجاه مستقبل الحراك؛ فكونه جزءًا من حراكٍ عربيٍّ أوسع من٢٠١٠، فكلّ السّيناريوهات مفتوحةٌ مثلما شاهدنا مساراتٍ مختلفةً لدول الرّبيع العربيّ. ولعلّ هـذا سببٌ  وجيهٌ للحذر. وفي حالة لبنان، فلربّما هناك أسبابٌ إضافيّةٌ متعلّقةٌ بخصوصيّة الوضع اللّبنانيّ، ناهيك عن حاجةٍ ماسّةٍ لنقدٍ ذاتيٍّ يحتاج الحراك أن يشمل أجندته، مطالبه، تحرّكاته وتكتيكاته. هنا، أنا أقدّم ملاحظاتٍ بتواضعٍ شديدٍ لإخوتي، دون توجيهٍ، أو ادّعاء حكمةٍ بأثرٍ رجعيٍّ.

بالطّبع في لحظاتٍ ثوريّةٍ، إنّ تهذيب وتوجيه الفعل الجمعيّ هو تحدٍّ كبيرٌ، وكاذبٌ من يدّعي أنّه يقدر عليه بشكلٍ مطلقٍ. فمن الصّعب أن تكون هناك قيادةٌ جامعةٌ توجّه (بالفعل، بالمفاوضة، بالحركة) أو تحدّد توقيت ما سبق فتطاع طول الوقت، أخذًا في الاعتبار سيولةً تتّسم بها مثل تلك التّحرّكات. لكن في المقابل، هناك مساحةٌ أكبر وأسهل لتخلق مجموعةً من القيم في الوعي الجمعيّ للمحتجّين، تخلق إطارًا قيميًّا للحراك وتحكم تحرّكاته التّلقائيّة، تترسّخ في أذهان المحتجّين بمخاطبتهم عبر وسائل الحشد والتّعبئة (وسائل التّواصل الاجتماعيّ)، والمساحة المتاحة لشبابه في الإعلام، وأدوات أخرى مثل تلك الجريدة.

هنا، أنا معنيٌّ بضرورة تسييد مبدإ أنّ هذا الحراك ليس إقصائيًّا. فرفض الطّائفيّة كان ولا زال ضمن أهداف الحراك. لكنّ مصدر القلق هنا، أنّ رفض شيءٍ لا يعني عدم الوقوع في فخّه بشكلٍ أو بآخر. فالحقيقة تقول أنّ الطّائفيّة هي ثنائيّة “نحن وهم”، نحن نتمايز عنهم، وهم يتمايزون عنّا (على أساسٍ إثنيٍّ، دينيٍّ، أيديولوجيٍّ، أو عرقيٍّ… وإلخ). نحن نرى أنفسنا أفضل وهم كذلك، نراهم خصومًا وخطرًا وهم كذلك. فإن كان هذا ما نرفضه، فيجب ألّا نخلق دون قصدٍ “نحن وهم” جديدةً وفق خطٍّ آخر للتّقسيم أو ملمّحًا جديدًا للمفاضلة أو سمةً أخرى لتمايزٍ يولّد استقطابًا وكراهيّةً جديدةً، وينتهي الأمر بنا بتأسيس طائفيّةٍ ثوريّةٍ مثلما هناك طائفيّةٌ إثنيّةٌ ودينيّةٌ وعرقيّةٌ. 

بقولٍ آخر، يجب أن يظلّ مطلب هذا الحراك وإطاره القيميّ وطنًا للجميع، وليس وطنًا حصريًّا للقائمين عليه أو المشاركين فيه؛ كما يجب أن تظلّ سمته التّسامح والاستيعاب لمن هو مختلفٌ، احترام اختلاف المواقع والرّؤى في التّعامل مع الواقع وتجنّب الانزلاق نحو المزايدة والتّخوين.

أقول هذا متذكّرًا ومذكّرًا إخفاق تجربةٍ مصريّةٍ إقصائيّةٍ، مقابل نجاح تجربةٍ تونسيّةٍ احتوائيّةٍ وتوافقيّةٍ. في مصر، وبحسن نيّةٍ، أعدّ بعضنا قوائم سوداء لرجال النّظام السّابق. طالبنا بمحاكماتهم محاكماتٍ ثوريّةً (أي غير عادلةٍ)، طالب بعضنا بالعزل السّياسيّ (تجريدٍ من حقٍّ سياسيٍّ) وطالبنا القضاء العاديّ أن يسرع في محاكمته. حاربنا كلّ من هو في نظرنا رجعيٌّ، بدءًا بالدّولتين، مرورًا بالمحافظين وحزب الكنبة (المتابعين بلا فعلٍ) انتهاءً بالإسلاميّين. باختصارٍ، حاربنا الجميع فخسرنا كلّ شيءٍ.

 مع كلّ “ستاتس” أو “تويتة” أو تصريحٍ ناريٍّ في قناةٍ تلفيزيونيّةٍ، كنّا وبحسن نيّةٍ نقسم المجتمع أكثر، نقصي أكثر، نستبعد أكثر؛ بينما نحصد على الثّناء والإشادة أكثر وأكثر، متصوّرين أنّ صوابيّة الفعل ترتبط بحجم  الإشادات الشّعبويّة به. لكنّنا في الحقيقة، وللأسف، كنّا نتحرّك في سباقٍ محمومٍ نحو القاع. ومع كلّ تقسيمٍ ينتهي، كانت تظهر مساحةٌ جديدةٌ لتقسيم المقسّم، المطبّع وغير المطبّع، النّسويّ وغير النّسويّ، الثّوريّ – الثّوريّ والثّوريّ – الإصلاحيّ، النّاشط والسّياسيّ، من يريد الاعتصام ومن لا يريد، من تفاوض ومن لم يتفاوض، من قبِل شيئًا في لحظةٍ ما ومن لم يقبله… وهكذا تحوّلت الملايين الدّاعمة لمئاتٍ، ثمّ عشرات الآلاف، فآلافٍ معدودةٍ، إلى أن كان الفقدان الجارف لحاضنةٍ شعبيّةٍ للثّورة! فجاء الإسلاميّون على الحكم وأقصوا الثّوريّين بدورهم انتقاًما. ثمّ، عاد النّظام السّابق فأقصى الاثنين في النّهاية عملًا بالمبدإ ذاته. معادلةٌ صفريّةٌ مهلكةٌ، حيث حياة طرفٍ أو فصيلٍ تعني القضاء مطلقًا على الآخرين. وفي المقابل، فإنّ عكس هـذا  كلّه أنتج تجربة تونس النّاجحة.

بالطّبع، أنا لا أريد تسطيح الأمر، أو إيهام القارئ أنّ ما سبق  وحده هو ما أفشل الحراك المصريّ ونقيضه ما أنجح تونس. فهناك عوامل بنيويّةٌ داخليّةٌ وإقليميّةٌ ودوليّةٌ، مثلما هناك حقيقة أنّ مسار حراك بلدان الرّبيع العربيّ انتهى بمآلاتٍ مختلفةٍ وفق تفاعل عوامل مختلفةٍ. لكن في النّهاية، كان الإقصاء والاستقطاب بعدين مشتركين وحقيقيّين وهامّين، ساهما في عودة استبدادٍ في مصر وساهما في حربٍ أهليّةٍ في لبيبيا وسوريا واليمن.

هذا لا يعني أن نكون واحدًا. لكن ما هو مقصودٌ، ضرورة الانتباه لأنّ هناك خطًّا وشعرةً فاصلةً  ما بين التّمايز والإقصاء، التّعدّد والاستقطاب، الرّفض والكراهيّة، العدالة والانتقام.