بطشكم يجمعنا

بطشكم يجمعنا

تصوير حسين بيضون

‎بطشكم يجمعنا | سينتيا سليمان

مسلسل عنف انتفاضتنا طويل، يُخرجه  “القائد الذهبي” عماد عثمان، ، حسب قوله. أمّا مساعد المخرج: الوزيرة المخلوعة ريّا الحسن – عضو مجلس إدارة بنك ميد، ثمّ استُبدلت بمحمّد فهمي الأمس، ويشغل موقع المستشار الأمني لمصرف ما. لا عجب إذاً، أنّ أدمى حلقات هذا المسلسل سوف تكون تلك المتعلّقة بهزّ الهيكل: مصرف لبنان – أو “مسرق لبنان” كما اصطلح الشعب تسميته، من باب الواقعية السياسيّة.

المهم، ليلة ١٤ كانون، الشعب هو من كتب السيناريو: “معركة شارع الحمرا”. لم يتوقّع المخرج حجم الغضب الشعبي المنصبّ على “المسرق”. اجتزنا السور ودخلنا باحته.

‎‎بدأ مسلسل العنف حين قامت عناصر مكافحة الشغب بضرب المتظاهرين، ظناً منهم أن من استوطن الشارع وبقي يهتف لثلاثة أشهر، سيخاف من بطشهم .

‎فاجأهم المحتجون بإصرارهم على الصمود و كان الهتاف “ما منخاف و ما منطاطي كلاب ريا ع صبّاطي” فاعتبروا ان التسبّب بإصابات مباشرة في صفوفنا سيردعنا. وسرعان ما سددناهم الردّ بتكسير واجهات المصارف التي تذلّنا جميعًا كل يوم، نحن أصحاب الودائع الصغيرة، من نستجدي المائة دولار أسبوعيًا. فكان ردّهم بقنابل مسيلة للدموع، تلك الكريات التي بتنا نشتاق تنشّقها كونها تعلن انطلاق عنفنا الثوري وتفضح خوفهم وارتباكهم. خلاصة ليلة “غزوة الحمرا” كما أسموها، كانت ٥٦ معتقلاً في ثكنة الحلو، التي أصبح جيرانها يشتاقون لهتافاتنا.

لم أكن أعلم أن ١٥ كانون الثاني سيحفر برأسي بخيوط القطب التي درزتها موجة العنف التي حصلت الأسبوع الماضي، والتي لم يسبق أن شهدتها طوال الثلاثة أشهر الماضية.

‎١٥ كانون الثاني… كنت قد قرّرت يومها ألّا أتابع ما يحدث رغم تحريضي لصديقي على النزول .. حاولت أن أشغل نفسي لكنني لم أصمد طويلًا. 

‎لم يكن قد مضى على وصولي إلى ثكنة الحلو سوى بضع دقائق .. لم أكن قد بدأت بعد بالدخول في خضم الهتافات بعد أن كنت أبحث عن صديق لي… لكنني لم أشعر إلا بضربته المدوّية. لا زلت أذكر وميض الضوء الأبيض المزعج الذي لمع بقوة فوق رأسي حين فتحت عيناي ذلك اليوم… كان أشبه بثقب أبيض كبير وكان يلتهم رأسي كالوحش. 

‎كان وجه عنصر مكافحة الشغب نفسه الذي ضربني قبل يوم يحدّق بي،  للحظات قرب ثكنة الحلو، كأنه ينذرني أنني سأكون فريسته في هذه الليلة. فربما لم يشفى غليله من الليلة الفائتة. بعدها، وجدت شخصاً على يميني ينادي باسمي، وكانت الأصوات حولي مزعجة لدرجة صرت أرجو نفسي تلك أن تجيبهم وتقول إنها بخير حتى يصمت الجميع. 

‎‎‎‎نحن الذين لا يعرف بعضنا أسماء البعض الأخر، لكننا رفاق الشارع، نتبادل الهتافات، يحفظ  الواحد منّا أصوات الآخرين، نلتقي في أسرّة المستشفيات بعد كل ضربة وقنبلة يرمونه بكل حقد، على وجوهنا. كلّ منّا يعرف ما أصاب الآخرين ونتشارك ألم الأجساد نفسه. إننا أحرص منكم، أنتم وحوش هذه الدولة الساقطة على شوارعنا. 

‎‎١٨ كانون الثاني كان يوم إطفاء العيون، وللمفارقة كان قد مضى ما يقارب الشهرين على حملة التضامن التي شاركنا فيها مع الصحافي الفلسطيني معاذ الذي أطفأ جيش العدو الاسرائيلي عينه. الآن بات العالم كله يتضامن مع عيون شبابنا التي أطفأها العسكر … عسكر من المفترض أن يقاتل جيش الإحتلال، لا أن يقاتلنا نحن الذين نهتف “بدنا دولة تحمي شعب وتمحي اسرائيل”. يبدو ان هذه الدولة قررت أن تمحينا نحن. 

الأيام الماضية كشفت أن دائرة العنف في بيروت أصبحت في اتّساع مستمرّ، وأن وتيرته تتصاعد  وأنه ينتشر أكثر فأكثر يومًا تلو الآخر. شريحة المتظاهرين بدورها اتسعت، ولم تعد تقتصر على الناشطين والمجموعات، بل أصبحت تضم أيضًا الغاضبين والمحبطين من الشباب الذين لم يروا تغييرًا يذكر خلال مئة يوم،  فالعنف الذي قرّر هذا النظام البوليسي أن يرد من خلاله على المتظاهرين والمحتجّين دفعهم للدّفاع عن أنفسهم بأنفسهم.

مسلسل العنف والإعتقالات استمر، لكنّنا لم نعد نخاف ولن نتراجع، لأننا أصحاب حق، وسنأخذه من عيونهم… من عيون كل مسؤول سرقنا ونهبنا وجوّعنا وذلّنا. سنأخذه من كل قائد جهاز أمني تفاخر بأوامره بفضّ المظاهرات.

أما أنا، فسأحتفظ بالكوفية المصبوغة بالدم، وسألبسها حول رقبتي يوم ننتصر، وأقول إن هذه الثورة انتصرت بالدم وبعيون شبابنا…. بوجعنا وقهرنا … بنوبات الأرق التي عشناها منذ ولدنا …

‎سننتصر لأن ١٧ تشرين ٢٠١٩ كسر حاجز خوفنا وبنى حواجز خوف في صفوف السلطة المأزومة، فأضحى عسكرها وحشًا كاسرًا .. 

‎صحيح أنكم أخطأتم .. أخطأتم كثيراً حين ظننتم أن باستطاعتكم تفريقنا … ١٧ تشرين علمنا أن بطشكم يجمعنا.