حكومة اللون الواحد، لون المصارف

حكومة اللون الواحد، لون المصارف

تصوير حسين بيضون

حكومة اللون الواحد، لون المصارف | نزار حسن

“نعم هي حكومة اللون الواحد، حكومة لبنان”. هذا كان ردّ حسّان دياب في مؤتمره الصحفي الأول، كرئيس حكومة لبنان، الذي ألقاه من بعبدا يوم الإثنين. لا يُخفى على أحد، كون هذا الرّد الرومنسي فيه من الذكاء السياسي بقدر ما فيه من الاستغباء، فالأحزاب التي شكّلت الحكومة واضحة بتوجهها السياسي وتموضعها الإقليمي.

تضعنا هذه اللحظة في ورطة، نحن الثوّار. فقبول توصيف الحكومة على أنها حكومة اللون الواحد، تجعل ثورتنا أكثر عرضةً للاستثمار السياسي من أي لحظة منذ اندلاعها  في ١٧ تشرين. فما يسمّى بقوى ١٤ آذار، أي القوى المتحالفة مع المحور الخليجي-الأمريكي مقابل محور روسيا-إيران-النظام السوري، ستحاول مجدّدًا ركوب جهودنا كما حاولت بعد استقالة الحريري.

ولكنّ هذا المأزق برأيي ليس بالحجم الذي نتخايله. أولًا، لقد مررنا بلحظات عديدة، حيث كان الخوف يرتاد العديد من مناصري الثورة من استغلالها من قبل هذه القوى أو غيرها من الأحزاب الطائفية التابعة للمحاور. وقد فشلت كل المحاولات بفضل الوعي الجماعي الذي تعاطى به الثوار مع الموروثات الطائفية القبليّة، وإخضاعها لمنطق المصلحة المشتركة في التغيير. وأحيانًا من أفشلها كان قوى السلطة نفسها، من خلال دفاعها عن حكم الحريري تارةً وعن حكم المصرف تارةً أخرى، أو من خلال إلقاء اتهامات معظمها ذات بعدٍ طبقيّ على الثوار، كمرتزقة أو “زعران” أحد زعماء الصف الثاني. 

ثانيًا،  يمكننا أن نحفر الطريق الى خارج هذا المأزق من خلال التركيز على البعد الطبقي لهذه الحكومة. فالجهات السياسية التي سمّت كل وزير، ليست بأهميّة الجهة التي حافظت على تمثيلها القويّ من دون تكبّد وحْل المناكفات السياسية على الإعلام، وهي المصارف. المصارف برهنت مجددًا أنها في صلب الطبقة الحاكمة في لبنان، أو الأوليغارشية. فهي ليست فقط المستفيد الأكبر من السياسات الاقتصادية على مدى عقود، مراكمةً بالتالي أرباحاً فوق الخيال معظمها ممّا يسمّى بالمال العام، أي مال الدولة الذي تحوّل بأيادي السياسيين وحاكم مصرف لبنان إلى مالٍ خاص يُستخدم لإعاشة نمط اقتصادي وزبائني فاشل. بل أكثر من ذلك، المصارف تسيطر على القرار السياسي-الاقتصادي كما برهنت مرات عديدة، وتتمثل مصالحها مباشرةً في مجلس الوزراء. فيا للصدفة أن يكون لنا للمرة الثانية على التوالي رجل مصرفيّ بحت في وزارة الاقتصاد، وهو راؤول نعمة، المدير العام التنفيذي لبنك الشرق الأوسط، المملوك سياسيًا من جهة تبدو في الظاهر على أنها خارج الحكومة. ويا للصدفة ايضًا أن يكون وزير داخليتنا المرشد الأمني لأحد أكبر مصرفين في البلد، “بنك لبنان والمهجر”، ووزير ثالث مساهم في مصرف سيدروس. مصارفٌ تستفيد من وجعنا من خلال خدمة دينٍ وهندساتٍ ماليةٍ وفوائد خرافية.

لنسمّيها اذًا بإسمها الحقيقي: حكومة المصارف. ولنستفد من هذه الفرصة لتوجيه الصراع بما يتناسب مع الصلب الطبقي للمعركة. ففي المخرج من هذه الأزمة الاقتصادية، إمّا الناس أو المصارف يفوزون. إمّا الهيكلة الشاملة للدين العام والقطاع المصرفي، أو المزيد من التقشّف في المدارس والجامعات والمستشفيات العامّة. إمّا نظام ضريبيّ جديد يعيد توزيع الثروة ويعاقب الريع لمصلحة الانتاج، أو توسيع الهوّة الاجتماعية وزيادة الفقر والمزيد من التدهور الاقتصادي. إمّا الاستثمار في الناس ومواهبهم وأحلامهم وحقوقهم، أو إذلالهم من خلال “إصلاحاتٍ” تسحب القليل من جيوبهم والكثير من كراماتهم، وتبقيهم في طوابير ليشحدوا معاشاتهم ومدخراتهم، بينما يُقرَّر مصير أموالهم في القصور والشركات والمؤسسات الدولية. 

لا يمكن أن أرى، للصراع بيننا وبين الطبقة الحاكمة، أي حلول حبّية. أرى الحبّ بيننا فقط، عمّال وطلاّب وناس هذا البلد بتنوّع أصولنا وأوراقنا الثبوتية ووحدة عطشنا للكرامة. سنقوم بهذا البلد عاجلًا أم آجلًا، ونبني مجتمع الحب والعدالة والحرية. 

القوّة للناس واللعنة الشعبية على من يذلّهم.