والدنيا ثورة: بدي شوف ولدي

والدنيا ثورة: بدي شوف ولدي

والدنيا ثورة: بدي شوف ولدي | بادية فحص

لم يكن يوم 17 تشرين الأوّل، يومًا عاديًّا في النّبطيّة. أراد شعبها أن يستجيب للقدر، فخرج إلى الشّارع، حاملًا الشّمس في يمينه والقمر في يساره، مستعيدًا إمساكه بتلابيب مشهدها الثّقافيّ، مخترقًا سقف حرّيّاتها المحدّدة مسبقًا، معلنًا استقلال رأيه السّياسيّ. 

وكنت واحدةً من الّذين خرجوا. كانت لي حكايتي الشّخصيّة المهمّشة والمغيّبة، الّتي طالما كتمتها، لكنّي غرقت في ذلك اليوم في ازدحام القبضات وغضب الحناجر والتماع المحاجر. 

في الأيّام الّتي تلت، صرت أرى من حولي أصدقائي وجيراني وأهل مدينتي وأشخاصًا آخرين لا أعرفهم، يرمون ثوب العتمة عن أكتافهم ويلتحفون بالنّور. كانت قلوبهم تنبض كأنّها قرع أجراس، وأصواتهم تعلو مثل آذان الصّبح و”صبّح أهالي النّبطيّة”…

رأيت فيما رأيت، صبايا في مقتبل العمر، كاد أن يكون وجودهنّ في الدّنيا (كما ولادتهنّ) خبرًا تسودّ له الوجوه، لولا أنّهنّ تحدّين الأخطار والأخبار والشّائعات والمهانات، بما أوتين من شغف الحياة، وملأن السّاحات نضجًا ووعيًا. ونساء، كنّ من قبل، راضياتٍ صابراتٍ منكوباتٍ بصمت، فاندفعن إلى الشّارع، غاضباتٍ بهيّاتٍ، مثل فراشاتٍ اكتمل نموّها ذات ربيع، فطرقت بأجنحتها جدران شرانقها، وخرجت إلى الحياة. 

رأيت ما رأيته، ونظرت إلى نفسي: هل يُعقل، والدّنيا ثورة، أن أظلّ عاجزةً عن الصّراخ، فاقدة القدرة على سرد حكايتي؟ ما نفع وجودي في زمن الثّورة إذًا؟ الثّورات تحدث كي لا تموت قضايانا، وتشتدّ كي تعرّي واقعنا المزيّف وتكشف الحقائق كلّها، وإلّا، لا حاجة لنا بها. 

في السّنوات الكثيرة الّتي سبقت الثّورة، كنت لا أمتهن إلّا الصّبر، كنت أحسبه مفتاح الفرج الوحيد؛ لكنّ الثّورة أهدتني مفاتيح أخرى، الصّراخ أحدها، الإفشاء والإفصاح وتسمية الأشياء بأسمائها من دون مجاملةٍ ولا مواربة، ولا خوف ولا ارتباك، منها.

فنزلت في ذلك اليوم، أحمل أمنيةً في قلبي ولافتةً في يدي كتبت عليها “بدّي شوف ولديّ”. نعم، أنا الّتي حملت تلك اللّافتة، في النّبطيّة، في اليوم الخامس للثّورة؛ فصارت الثّورة في النّبطيّة ثورتين: ثورةً ضدّ النّظام الطّائفيّ الفاسد، وثورةً من أجل الأمّهات المحرومات من رؤية أطفالهنّ. ثورةً تريد استرداد المال المنهوب، وثورةً تطالب بحقّ الحضانة المسلوب. 

منحتني الثّورة في يومها الخامس، ما لم يمنحني إيّاه شرعٌ ولا مجتمع، حقّ رؤية ابني. مكّنتني من أن أراه وأقترب منه وأحدّثه وأسمع صوته، بعد مضي أحد عشر عامًا على فراقه. كان ذاك اليوم، أحد أيّامها الجميلة. استمرّت ثورتنا الجميلة، وعاد ابني إلى غيابه، لكنّي على يقينٍ أنّ هذا العقاب البشع سينتهي يومًا ما. الثّورة ستساعدني على إنهائه، أؤمن بقدرتها على فعل ذلك، مثلما تؤمن هي بحقّي. 

هذا ما أكّدته لي أمّهاتٌ محروماتٌ من رؤية أطفالهنّ، التقيت بهنّ في الثّورة، وكشفن لي عن خططٍ أعددنها ومعارك يخضنها ليحيين أمومتهنّ المقتولة. وأسمعتني أخرياتٌ قصص خسارتهنّ معارك حضاناتهنّ لأطفالهنّ، لكنهنّ لم يخسرن شجاعة المطالبة باسترجاعها، ولم يستقلن من ممارسة فنون القتال من أجل عودة الدّفء إلى الأحضان الباردة، والقلوب المهجورة. 

الأمّهات في الثّورة، علّمنني أنّ حاجة أطفالنا إلينا، لا تُختصر بالأدوار التّقليديّة الّتي نؤدّيها، لأنّ هذا تنميطٌ مؤذٍ؛ المسألة ليست مجرّد حقوقٍ وواجبات، فأطفالنا يحتاجون إلى وجودنا في حياتهم، سواء كنّا بارعاتٍ أم فاشلاتٍ في تأدية تلك الأدوار، لأنّ وجودنا في حياتهم يعني الحبّ، الحبّ الّذي يجيب عن كلّ أسئلتهم حول الحياة، ويبدّد مخاوفهم من مظاهرها وظواهرها، ويطرد الأوهام الّتي تربك علاقتهم بها. 

أمّا الثّورة، فقد علّمتني ألّا أتحدّث إلّا بلسان الحبّ وصوته، حين يكون الحديث عن ولديّ، وأن أعدهما أن أبقى ولو من بعيٍد، اليد الّتي تردم الحفر الّتي يخلّفها نقصان الحبّ في قلبيهما، وأن أزرع في كلّ واحدةٍ منها شجرةً: شجرةً للسّعادة وأخرى للفرح وثالثةً للرّضا ورابعةً للغفران وخامسةً للأمل وعاشرةً ومئةً وألفًا… حتّى يصبح قلب كلّ واحدٍ منهما بستانًا… والثّورة ستحمي هذا البستان.