بين الشغب والسلمية خيطٌ رفيعٌ قد ينقذنا

بين الشغب والسلمية خيطٌ رفيعٌ قد ينقذنا

تصوير هادي بو عيّاش

بين الشغب والسلمية خيطٌ رفيعٌ قد ينقذنا | لونا صفوان

ما سأكتبه لا يمثّل الثورة  كلّها بأي شكل من الأشكال، بل إنّه مجرّد رأي، وقد أكون مخطئة، لكن ثورة تشرين علّمتني أنّ النّقاش ضروريٌّ، والاختلاف أساسي.

“حيّ على خير الشغب” – كلمات أغنية بقيت عالقةً في رأسي لسنوات، وتكرر سؤالي بعد حراك لبنان الأول عام ٢٠١٥ ضد النفايات: متى نثور؟ متى نُشاغب؟ متى سنقوم بأفعالٍ تُسمع الدّولة أصواتنا؟ تصدّر موضوع الشغب – وممارسيه، عنوان النقاشات ونشرات الأخبار وحتى الأحاديث الجانبية خلال الأيام القليلة الماضية، لا سيّما وأن الحكومة “الحلم” تألّفت، وأحلام رئيس الحكومة الجديد حسان دياب الوردية “ستتحقّق”، كما يقول بكل ثقة، مع انتقاله للإقامة في السراي الحكومي وهو أول رئيس حكومة يختار ذلك منذ زمن. يبدو أن أحلام الجميع ستتحقّق، أحلام السلطة أعني، إلا أحلام الشعب اللبناني الذي لا يزال بأكثريّته معارضاً اليوم، صامداً في الشوارع مع حلول فصلٍ جديد، حيث استُبدلت حرارة الصيف ببرودة الشتاء القارص. ولكن وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الثوار صامدون، متماكسين، إلا أن نقطة النقاش الأساسية التي قد تفصلهم وتبعدهم قليلاً عن بعضهم البعض هي: الشّغب. وتفادياً لذلك، بات الحوار عن الشغب ضروري.

الشغب هو العبارة التي نخاف من التطرّق إليها ونقاشها اليوم، وعلى الرغم من كوني من مناصري الشغب، أؤمن، في كثير من الأحيان، أنه السبيل الوحيد لإسماع الصّوت وإعلاء القضايا على سلّم الأولويات السياسية، إلا أننا في لبنان اليوم عالقون في الوسط تماماً، بتنا حرفياً نتمسك بخيط رفيع فيما البعض لم يتمكّن حتى من إيجاد ذلك الخيط. هل يتحمّل لبنان مماطلة اقتصادية أطول؟ هل تتحمّل المناطق المهمّشة المزيد من الخسائر؟ 

اقتراح البقاء في الشارع والتكسير والتخريب، بهدف إعادة تغيير الحكومة الحالية، التي تطلّب تكليفها أصلًا وإعلانها ما يقارب الشهرين، على الرغم من كونها حكومة لون واحد، هو ليس بالحلّ، لأنّنا نخاطر الدخول في نفق اقتصادي أكثر ظلاماً، فيما نحن عالقون، وأموالنا عالقة، وكذلك أحلامنا البسيطة والمعقّدة. 

لقد أثبت الشغب أن المتظاهرين على اختلاف أعمارهم وانتماآتهم ومناطقهم، لا يخافون لا من القنابل المسيلة للدموع ولا من الرصاص ولا من البزّات العسكرية، فحينما يتعلق الموضوع بصراع البقاء على قيد الحياة وإنقاذ لبنان، كانت الأيام الماضية كافية لتثبت أن الشعب غير موافق على الحكومة التي لا تمثّلنا: بكل وضوح وشفافية، لا تمثّلني.

هنا يتبادر سؤال مؤلم إلى أذهاننا: هل نريد حلاً سياسياً في البلد، أم حل اقتصادي يوقف الانهيار؟ والاختيار بين الاثنين صعب اليوم.

الحل السياسي سيتطلب أشهر، أن نستمرّ بالشغب، لنسقط الحكومة الحالية، ولنحصل على حكومة تمثّل الشارع المعارض، فيما الشارع اليوم لا يزال في مرحلة التآلف والتعرّف على بعضه البعض، حيث ربّما يلتقي شارعيْ الخندق وطرابلس للمرة الأولى دفاعاً عن بعضهما سوياً، الحل السياسي بعيد الأمد، وتشكيل حكومة تمثل ١٧ تشرين سيعني المزيد من الانحدار الاقتصادي نحو الهاوية. السلطة في لبنان لن تمنحنا اليوم ما نريده سياسياً. الأساس إذاً هو العمل نقابياً، ومؤسساتياً، للحصول على الدعم المنتظر، أن تربح الثورة المزيد من المستقلّين في الانتخابات النقابية، المزيد ممّن يشبهونها، أن تنظَم نقاشات أكثر شموليّة، أن تتعرّف الشوارع على بعضها أكتر، أن نتحضّر لبناء مجموعات سياسية جاهزة لتولّي السلطة والحكم السياسي، فيما نُجبر، بواسطة بقائنا السلمي في الشارع، السلطة الحالية -المتفائِلة- على إيجاد حلول للاقتصاد التي كانت هي نفسها سببًا في تدميره وانهياره.

لمَ نصرّ اليوم على إيجاد حلول اقتصادية لهم؟ فلنراقبهم، ولنكسب المزيد من التأييد الشعبي المناطقي، لتعود لا مركزية الاعتصامات، لتُقطع الطرقات مجدّداً ولو لساعات قليلة، لنعرقل البلد من أقصى شماله إلى جنوبه، لنعيد إحياء تجمّعات رياض الصلح بأعداد كبيرة، سبت الطناجر وأحد الزحف واثنين النقابات وثلاثاء المهنيّين … لنقلّص عدد الإصابات، لأن الشعب لا يستطيع اليوم تحمّل كلفة علاج وإصابة في مشفى، العيون التي خسرناها في الأيام الماضية لا تقدّر بثمن.

ليس من الضّروري أن نعيد الثورة إلى تشرين الأول تماماً، لكن فلنحمي بعضنا اليوم، دون إعطاء ثقة للحكومة، فلنرى ما إذا كانوا سيجدون الحلول للمصائب التي تسببوا بها، ليس لأننا موافقون على تمثيلهم لنا، بل لأننا نتحضّر لاستلام السلطة والقيادة منهم، قريباً.