حكومة المصارف والحرّاس

حكومة المصارف والحرّاس

تصوير طارق مقدّم

 حكومة المصارف والحرّاس | أبو الحسن

نبدأ بالجلي والرئيسي، إنّ هذه الحكومة برئاسة حسّان دياب هي حكومة المصارف وحرس المصارف. قد عيّنوا وزيرًا للماليّة هو مصرفيٌّ وعدنا بالإفقار من أوّل تصريح وطلب أن ننسى سعر الصرف القديم، ووعدنا بازدياد الديون لتمويل الاستهلاك. وعيّنوا وزيرًا للاقتصاد يعمل مديرًا تنفيذيًّا في احد أكبر المصارف. وجاءوا بعميدٍ متقاعدٍ يعمل مستشارًا أمنيًّا لمصرفٍ آخر، كي يأذن للبطش في العنف ضدّنا حرصًا على عرش المصارف. وفي الوزارات الأخرى أتوا بمستشاريهم الذين رسموا في السابق خطط الخصخصة كي يستكملوا الآن تنفيذها. وتلثّموا كلّهم بثياب الخبراء كي يقنعوننا أنّ سياسات التقشّف التي سيقرّونها هي من المصلحة العامة.

وبالحقيقة فإنّ المصلحة العامة الذي يتكلّمون عنها هي ليست إلّا مصلحة المصارف التي تريد استدامة ديننا وإفقارنا كي تستدام قدرتها على إنتاج ثرواتها. فالمصارف لا تريد إلّا زيادة الديون للدولة التي تؤمّن لها مكان للاستثمار دون مخاطر وفيه ربح كبير. والديون للدولة لا تعني إلّا ازدياد الفوائد التي تدفع إمّا من ازدياد ضرائبنا أو من قطع جزء من أموالنا في المصارف بطرق شتّى. وازدياد الديون يأتي بشرط التقشّف، مما يعني تقليص حجم الأموال التي تصرفها الدولة على الخدمات الاجتماعية ويتلازم ذلك مع خصخصة المنشآت التي تقدّم لنا تلك الخدمات. فقد أتت هذه الحكومة لتنفّذ هذا المشروع الذي لا يفيد إلّا أصحاب المصارف والمتموّلين من سياسيّين وغيرهم. فهو مشروع يحضّر لسرقة ما قد أنتجناه سابقًامن مال بسيط لييسّر حياتنا اليوميّة، وسرقة ما سننتجه في المستقبل. ولأنّ هذا المشروع ليس إلّا عمليّة سرقة كبيرة، أتت الحكومة بحرّاس المصارف لتزيد العنف ضدّنا وتشرّعه.

إنها حكومة المصارف والحرّاس وذلك لا لبس فيه، حتّى ولو حاولت أجهزة السلطة – وهنا أعني جميع الأحزاب السياسيّة والمحلّلين المأجورين – أن تحرّف النظر عن الحقيقة وتقول إنّ الإشكاليّة الكبرى هي أنّها حكومةٌ من لونٍ واحد. عندما أيقنت الثورة أنّ عدوّاها هما المصارف الذين يريدون السرقة والأمن الذي يحمي عمليّة السرقة، تكشّف الوجه الحقيقي للوحش الذي نقاتله. إنّ الدولة بأكملها تحمي المصارف لأنّها تشكّل مصدر المال لها. والدولة ليست إلّا مركز يمد من فيه بقوّة الاستفادة من تلك الأموال وثروات أخرى يرسّخها لمصلحته. ولذلك إنّ كلّ الأحزاب محكومة بحلف الدولة والمصارف هذا، وجميع تناقضاتها واختلاف ألوانها ليست إلّا صراع على من يستطيع التأمين لنفسه قوّة أكبر في ذلك المركز، أي من سيجني ثروات أكبر من خلال إفقارنا. وبما أنّ الثورة قد وجّهت صراعها ضدّ المصارف وحماتها الأمنيين، أتت حكومة تمثّل جوهر السلطة من مصرفيّين وحرّاسهم. لكن لعلّ السلطة قد استفادت من قناع واحد أخير متاح لها لتقابلنا به، هو قناع اسمه التكنوقراط “غير المسيّسين.” ولعلّه قناعًا قد فشلنا في انتزاعه من السلطة، لبل قدّمناه لها عندما فشلنا بمنع هيمنة خطاب الخبراء على مدى سنوات وخاصّةً في أوائل أيّام الثورة. وهذا القناع المتمثّل بالخبراء توظّفه سلطة المصارف ومراكز رأس المال ليقنعنا بأن عمليّة السرقة هذه هي من مصلحتنا.  

 إن هذه حكومة المصارف والحرّاس، هي ليست إلّا استكمال للحصار الذي نشهده في الشارع. كان واضحًا في الأيّام الأخيرة قرار السلطة في محاصرتنا في الشارع لنختنق من تنشّق الغاز السام ونتعب من ضرب القوى الأمنية ونخاف من الرصاص في العيون. فحاصرونا بأجهزتهم، من مخابرات وقوى أمنيّة وجيش. وأجهزة إعلامية تحاصرنا بالمحلّلين كي يلقّنوننا دروسًا، وهي تنبذ غضبنا الذي نعبّر عنه بقدر عنف المعركة، وتسألنا عن مطالبنا كي تروّضنا وهي غافلة أنّنا قد وصلنا إلى معركة نحن أسيادها فلم نعد نطالب أحدًا بشيء. وكيف نطالب وقد استكمل الحصار الميداني بحصار سياسي واقتصادي وايديولوجي متمثّل بهذه الحكومة. فبالخبراء والمستشارين والمصرفيّين ورجال الأمن تريد هذه الحكومة محاصرتنا كي تنفّذ أكبر عمليّة لسرقتنا. ونحن ههنا محاصرون، مجرّدون من أي سلاح ميداني يشبه فعاليّة سلاحهم. لكن عدوّنا قد أصبح واضح. وهذا نضوج سريع منّا بقدر سرعة المعركة واحساسنا بالمسؤوليّة. وبما أنّ المعركة لم تعد لغويّة وأصبحت بأكملها في الشارع، لم يعد هناك حاجة للكلام عن مسارٍ تقني أو دستوري. فنحن قد أعلنّا أنفسنا أسياد الدستور، أي من يستطيع تعليق العمل بالدستور إن كان الدستور أداةً لسارقينا. وبما أنّها معركة ميدانيّة، وبما أنّنا مجرّدين من أسلحتهم، يبقى السؤال الأوحد والأهم: كيف نتنظّم لنكسب المعركة الآن؟ إنّنا نرهقهم، فكيف نرهقهم بشكل منظّم كي لا ندعهم يرتاحون حتّى يحين انهيارهم؟ كيف نتعسكر ونخطّط بذكاء، دون الدخول في حلقة دوران رأس المال لاستهلاك السلاح، لاكتساب معارك ميدانيّة؟ وكيف نتنظّم ليكون لكلٍّ منّا وظيفةً يفيد فيها المعركة في الميدان؟ فكيف نخطّط لكسب المعركة الآن وليس بعد سنين؟