السّلطة تهتزّ ولا تسقط

السّلطة تهتزّ ولا تسقط

الأزمة المعيشيّة تشعل الشّارع… السّلطة تهتزّ ولا تسقط | حسين نور الدّين

مرّ تسعون يومًا على التّحرّكات الشّعبيّة المختلفة على امتداد الوطن، والأطراف المتشبّثة بالسّلطة لم تقدّم أيّة خطوة عمليّة، سواء عبر تحقيق بعض المطالب البديهيّة والمعيشيّة الّتي لا يختلف عليها اثنان أو خريطة للحلّ السّياسيّ/الاقتصاديّ في لبنان. 

لا شكّ أنّ وطأة الأزمة المعيشيّة المتجلّية بأبرز نقاطها، أي سعر صرف اللّيرة مقابل الدّولار الأميركيّ، هي الأشدّ منذ عام ٩٢ حين تدهورت اللّيرة. 

تتجلّى هذه الأزمة في السّطو على ودائع اللّبنانيّين المقدّرة ب ١١١ مليار دولار من الودائع لدى البنوك التّجاريّة، والّتي أودعت لدى مصرف لبنان (باللّيرة والدّولار). فضلّا عن هندساتٍ ماليّةٍ استفادت منها البنوك التّجاريّة بدعوى تأمين الدّولار للمصرف المركزيّ لتمويل الاستيراد والدّين العامّ الخارجيّ وفوائده. وجديرٌ بالذّكر أنّ لبنان بات الدّولة الأعلى مديونيّةً في العالم بعد الأرجنتين، نسبةً إلى ناتجه المحلّيّ. 

ودائع اللّبنانيّين تبخّرت على خطّ البنوك التّجاريّة – مصرف لبنان، وما تبقّى منها يسمّيها المصرف المركزيّ بالاحتياطيّ دون أن يذكر كلمة الاحتياطيّ الصّافي من عدمه. بالخلاصة، فإنّ هذه الأموال المتبقّية والمقدّرة بنحو ٢٢-٢٥ مليار دولار، هي آخر ما تبقّى من أموالٍ بالعملة الأجنبيّة، والصّراع يدور عليها. 

فالبنوك التّجاريّة الّتي أبدت في العلن أنّها مع إجراء عمليّة استبدالٍ لليووربوندز الّتي تحملها ضمن استحقاقات آذار ونيسان ٢٠٢٠، انقلبت خلف الكواليس على الأمر، فوجّهت الوكالات العالميّة التّحذيرات للحكومة اللّبنانيّة على اعتبار أنّ استبدال الدّيون يعدّ تعثّرًا انتقائيًّا وسيؤثّر على تصنيف لبنان الائتمانيّ. 

المعركة اليوم تتّخذ شكلين: 

  1. معركة بين حاكم المصرف المركزيّ رياض سلامة والبنوك: فسلامة الّذي كان عرّاب هذا النّظام الماليّ أطعم وساعد البنوك منذ ٢٠١٥ عبر هندساتٍ ماليّةٍ أخذت الدّولار من البنوك التّجاريّة بأعلى أسعار للفوائد مقابل اللّيرات الّتي أعادت البنوك استثمارها مجدّدًا في مصرف لبنان مقابل فائدةٍ أخرى. هذا كلّه تمّ لشراء أغلى وقتٍ ممكنٍ، بعدما أدرك سلامة أنّ النّظام الماليّ وصل إلى دربٍ مسدودٍ. ورغم الأخطاء الّتي ارتكبها، إلّا أنّ الإنصاف يقتضي لفت النّظر إلى أنّ إجراءات سلامة المتّخذة حاليًّا، وتشمل فرض رفع رساميل البنوك ٢٠% وخفض الفائدة وتقسيم دفعها باللّيرة والدّولار وغيرها، هي إجراءاتٌ ضروريّةٌ وجيّدة، إلّا أنّها غير كافية. 

وهنا رأت البنوك في تصرّفات سلامة حدًّا لها في استغلال الأزمة على طريقتها. ورغم الاتّفاق مع المركزيّ على الكابيتال كونترول، إلّا أنّ المصارف التّجاريّة لم تتقبّل برحابة صدرٍ رفع رساميلها، وأبدت انتقائيّةً شديدةً تجاه العملاء وصغار المودعين، ورفضت جلب أموال؛ بل تشير معطيات الأرقام إلى ارتفاع تحويلاتها إلى الولايات المتّحدة في نوفمبر ٢٠١٩، بنحو 8 مليارات دولار دون أيّ تبريرٍ لذلك. 

  1. الأزمة الثّانية، وهي بين وزارة الماليّة ومصرف لبنان؛ فالطّرفان لا يريدان تحمّل مسؤوليّة إجراء عمليّة استبدال الدّيون الدّاخليّة بالّدولار، ويرمي كلٌّ منهما الكرة للطّرف الآخر. كما أنّ الطّرفين لا يريدان تحمّل كابيتال كونترول قانونيّ. فهذه القضايا تنعكس في الشّارع المحتقن مباشرةً. وبعيدًا عن ردّة الفعل، فإنّ القيود على الرّساميل يجب أن تكون قانونيّةً وللجهة صاحبة السّلطة، وهي مصرف لبنان أو مجلس النّوّاب. 

في كلّ الأحوال ووفق مختلف تجلّيات الأزمة الّتي نعيشها، يظهر أنّ النّظام السّياسيّ/الاقتصاديّ/الاجتماعيّ بحاجةٍ إلى تغييراتٍ جذريّة. فالفساد المتأصّل في الإدارات الرّسميّة انتقل ليصبح ممارسةً يوميّةً لشرائح أوسع من اللّبنانيّين. وهذا يظهر أنّ الأزمة باتت أزمةً أخلاقيّةً تتجلّى في سياسات العمل والإنتاج والنّظرة إلى كسب المال، فضلًا عن الاعتماد على الرّيوع واستشراء الواسطة وغياب سياسات خلق الوظائف في الدّولة واستتباب الاستزلام والمحسوبيّات، حتّى باتت الدّولة عبارةً عن جسمٍ ممزّقٍ من الولاءات والإقطاعيّات السّياسيّة والطّائفيّة. 

من هذا المنظور، إنّ البديل لهذا النّظام لا بدّ أن ينطلق من قناعةٍ لدى المواطنين بأنّ استمرار الواقع الحاليّ يعني انقراض اللّبنانيّين من خارطة الدّول الفاعلة ضمن الحضارة الإنسانيّة. 

هذا ليس تشاؤمًا، بل قدرٌ فيه من الشّواهد التّاريخيّة الكثير. ولهذا، فإنّ مرحلة خلق الوعي الفكريّ/السّياسيّ/الثّقافيّ وخلق الهويّة الوطنيّة الجامعة، هي اليوم واحدةٌ من أهمّ الأمور الملحّة لنشرها في المجتمع. وهذا لا بدّ أن ينعكس على طريقة تعاملنا مع المخاطر النّقديّة الّتي نرى، فنلجأ إلى الحلول العلميّة على مستوى الاقتصاد والقانون، لا إلى الاكتفاء بالنّظر إلى الانهيار الحاصل دون تحريك ساكنٍ أو زيادة الأمور سوءًا بفعل الجهل والتّقصير وعدم المثابرة. 

خلق الوعي يعني الاعتماد على الشّباب الّذي لم يعش الحرب الأهليّة والّذي بات في عمرٍ يؤهّله لقيادة البلاد نحو الجمهوريّة الجديدة. هي دولة القانون لا دولة الطّوائف والزّعماء. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من البدء بالقضاء وتطهيره من التّبعيّات والاستزلام للتّعيينات السّياسيّة. من خلال القضاء، تبدأ ورشة المحاسبة والإصلاح للقوانين كلّها، وضمنها قانون الانتخاب.