نحو برنامج عمل حكومة “منحازة للنّاس”

نحو برنامج عمل حكومة “منحازة للنّاس”

تصوير حسين بيضون

نحو برنامج عمل حكومة “منحازة للنّاس”، التّغيير المنشود شكلًا ومضمونًا | رائد بو حمدان

إنّ رفض الناس لحكومة حسان دياب ينطلق من كونها تناقض معايير الثورة التي طالبت بحكومة مستقلة من خارج المنظومة الحاكمة برئيسها وأعضائها، وبعيدة عن نهج التسويات والمحاصصة المتّبع منذ عقود. وهو رفضٌ يتعدّى الأشخاص ليصل إلى اليقين بأنّ أي حكومة تنتجها تسويات المنظومة لم ولن تكون قادرة على معالجة ما سبّبته  المنظومة نفسها من فشل وأزمات. فالتغيير المطلوب هو تغيير بالنهج والسياسات والبرامج، وليس فقط بالأسماء والوجوه، خصوصًا أن المرحلة الحالية هي مرحلة يزداد فيها قلق الناس على الوضع المعيشي والإقتصادي. أصبح الهمّ الأساسي هو المبلغ المتبقّي في المصرف واستمراريّة الراتب واستدامته وقدرته الشرائية. وأصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا لوجود برنامج منحاز للناس يوضح مسار إدارة الأزمة وخطّة الخروج منها وآليات توزيع تكلفتها بشكل عادل، أي تجنيب دفع أثمانها لأصحاب الدخل المتوسّط والمحدود، لا بل تأمين العدالة من خلال تحميل التكلفة الباهظة للأوليغارشية الحاكمة، التي جنت الأرباح وراكمت الثروات خلال العقود الماضية بسبب سياسات اقتصادية معادية للناس انتهجتها الحكومات المتعاقبة.

عليه، تبرز أهميّة تقديم برنامج عمل حكومة انتقاليّة منحازة للناس من باب طرح القضايا الأساسية التي تشكّل أسباب انعدام ثقة الشارع بكافّة الطروحات الحكوميّة البالية (من الحريري إلى دياب وما بينهما) ومن باب تحديد مواضيع الإشتباك السياسي مع قوى المنظومة، حكومةً و”معارضة مقنّعة مستجدّة”، ببرنامج واضح يحدّد بوصلة المرحلة المقبلة من مسار الثورة. فاليوم أصبح لوجود برنامج حكومي إنقاذي تحمله القوى الثوريّة ضرورات عدّة تتلخّص بالنقاط التالية:

١- من صرخات الثوّار إلى برنامج واضح

لا بدّ من تحويل المطالب والشعارات والصّرخات التي ملأت الساحات إلى برنامج إنقاذيّ واضح وواقعي يحمل إجراءات وخطوات محدّدة تحقّق العدالة الإجتماعية والإقتصادية والمساواة وتؤمّن الحقوق وتضع النظامين السياسي والإقتصادي-الإجتماعي في مسار يحقّق انحيازهما للناس.

٢- بماذا نقارن الإجراءات التي ستفرض علينا؟

سيحتاج الشارع الى البرامج الأكثر عدالة، تلك التي تتشابك مع تطلعات الثورة  وتقدّم سياسات منحازة للنّاس للخروج من الأزمة ويكون مؤشر المقارنة للسياسات والقرارات والإجراءات التي ستتبعها الحكومة المشكّلة، فيقبلها او يرفضها ويضغط في اتجاه انحيازها للناس، ويسقط ما هو غير عادل.

٣- وحدة قوى الثورة… حول برنامج وسياسات 

وحدة وتنسيق الساحات والخيم في المناطق (وهو مصطلح أكثر فعالية وقرباً للحقيقة من تنسيق ما يسمى بالمجموعات السياسية)، واجتماعها حول رؤية مشتركة لمسار الثورة لا يمكن تحقيقه من دون برنامج واضح يناقشه ويختلف أو يتّفق حوله الثوّار والثائرات، من خلال مسارٍ تشاركيّ يحدّد “ما تريده” الثورة في المرحلة المقبلة وليس فقط ما “لا تريده”.

٤- البرامج هي التغيير المنشود وليس الأشخاص

الدخول في بازار تقييم السير الذاتية للشخصيات التي طرحت للحكومة هو متاهة لا تصبّ سوى في تشتّت أهداف الثورة وشخصنة مكاسبها. فلا يمكن لأي فرد أو مجموعة أفراد من النخب أو الخبراء، مهما كانت قدراتهم الشخصية أن يحقّقوا أي أثر او تقدّم في إدارة الأزمة السياسية والإقتصادية الإجتماعية إلّا من خلال برنامج وزاري واضح تلتزمه الحكومة مجتمعة في بيانها الوزاري. تعتبر ثقافة البرنامج بدل الأشخاص استراتيجية أثبتت فعاليتها، لا سيما عبر تعزيز ثقافة متقدّمة تركّز على إعادة تعريف السياسة.

٥- في الثورة، بدائل سياسية جديّة!

برنامج عمل حكومة الناس هو الدليل القاطع على أن البدائل موجودة، كما أنه يسقط ما يروّج له عن غياب المشروع والرؤية في شارع الثورة. كما أن البيان الوزاري الذي قدّمته مجموعات سياسيّة قاعديّة من صلب الثورة يظهر القدرة والجهوزيّة لتقديم الحلول والبرامج والخطط وإدارة البلد، حتى في أحلك اللّحظات وأصعب الأزمات.  

٦- نقاش عام حول العدالة الاقتصادية، ليس حصراً على الخبراء

في ظلّ غياب أية طروحات جدّية من كافة أحزاب السلطة حول كيفيّة إدارة الأزمة ومحاكاة هواجس الناس المعيشيّة والمالية والاقتصادية، تبرز الحاجة إلى فتح نقاش عام يخرج من دوائر الخبراء حول الحلول والمخارج والإحتمالات والإجراءات التي تؤمّن العدالة في إدارة الأزمة وبالتالي عدم تحميل أعباءها إلى الأكثرية من أصحاب الدخل المتوسّط والمحدود، بل إلى الأقلية من أصحاب رؤوس الأموال، الذين جنوا الأرباح وراكموا الثروات خلال عقود متتالية، أفقرت الدولة. 

٧- ملامسة نبض الناس واستعادة زخم التحرّكات 

إن وجود إجراءات واضحة وسياسات محدّدة من ضمن برنامج إنقاذي سيساعد في استعادة النبض والزخم للتحرّكات في الشارع، فالحماس للمشاركة سيزداد مع تحرّكات تلامس هموم الناس الآنية وهواجسهم بشعارات واضحة ومطالب محدّدة وأهداف معروفة.