١٠٠ يوم ثورة… والغضب يتجدّد

١٠٠ يوم ثورة… والغضب يتجدّد

تصوير حسين بيضون

١٠٠ يوم ثورة… والغضب يتجدّد | جاد شحرور

حين نثور، إنّما نثور على دولة جعلت من عقدة النقص نهجاً في دقّات قلوبنا، وزرعت الخوف في رؤوسنا ومخيّلاتنا… كآبة هذا المجتمع وانتحاره هما في رقبة السلطة السياسيّة الفاسدة الحاقدة على كل شيء يتحرّك أو ينبض بأي شكل من أشكال الحياة. سنثور، نعم، وللحب ثورة أيضاً. ثورة من أجل حقّنا في الحب بنوعيه التقليدي والمتحرّر… وما بينهما. 

ثورة على مشاعر سالت كالدموع في المُقل، من ثقل الاضطراب. ثورة لندنو من سعادة فقدناها وابتسامة لم نعد نعرفها، وثقة خسرناها.

ثورة على رجفة شِفاهنا واختناق حناجرنا من فقرٍ وأفكار أتعبت جفوننا حتى النوم القسريّ. غضب على من سلب حياتنا قبل أن نولد، وأذلّ أهالينا.

تحت نير الأزمة الاقتصادية، أعدنا إنتاج أنفسنا كمواطنين حقيقيّين خارج طوائفنا وأحزابنا، سواء كنا مناصرين أو متحزّبين أو مستقلّين. ثرنا ضدّ وجوه الحكم والحكّام الفاسدين والمفسدين، وأسقطنا حكومته… حكومتهم. ثم أتانا حسّان دياب مرشّح المحاصصة متسلّقاً تعب الثوّار، رئيساً لحكومة مهمّتها الأولى أن تعلن الانهيار رسمياً، انهيار هيكل الدولة “العظمي” على رؤوس الجميع، “كلّن يعني كلّن”. حكومة تريد سلب غضبنا في الشارع، لكن هذه الثورة ستُسقطها وتدفنها تحت الانهيار الاقتصادي الذي سيكتمل مشهده على أيدي “عباقرتها” و”أشاوستها”…ذكوراً وإناثاً. ستسقط حكومة دياب، بمن فيها ومعها ووراءها، لأنها ستكون بلا حليف بعد تفاقم أزمتها. ولكن ما نضمنه منها هو كتاب يوثّق فشلها “مع صوَر”. هنا ستكون للشارع فرصة استعادة الحكم، ستكون لنا “حكومة الحلم” تحاول لملمة ما تبقّى لنا من وطن… وطبعاً ستُخطئ، لكن مهما كانت أخطاؤها لن تكون بحجم أخطاء ٣٠ عاماً بنهاراتها ولياليها فُرِضت علينا بقوة السلاح وطغيان المؤسسات الأمنية والسياسية وحتى الدينية. 

على وقْع ضربات هراوات رجال الأمن “المأمورين” على أجسام المتظاهرين، انتفضت دقات قلوب المتظاهرين نابضة بصوت واحد “عسكر على مين”، وأمّنت لأصابعهم الوسطى أن تخرج بين قنابل الغاز المسيلة للدموع. ثورة ضد القوى الأمنية وقوى الأمر الواقع التي جعلت أفواهنا وألسنتنا تطلق شعارات ومصطلحات لم نسمعها إلّا في الإعلام الفلسطيني، يُطلقها المناضلون أبطال الحجارة ضد الاحتلال، “رصاص مطاطي” و”رصاص حي” واعتقالات تعسفية. وكأن دولتنا “جهاز استخباري شيطاني” ضد شعبها، وجعلت من مواطَنتهم “استيطانًا”. ولكن لن نخاف طالما معنا في هذه البلاد، طلّاب يصرخون بالعالي العالي “تسقط تسقط إسرائيل”.

شهداء الثورة لم يبخلوا بحياتهم على الوطن الحلم، وسط عمى السلطة السياسية و”أباطرتها” في احترام المواطن، متمسّكين بنظام المحاصصة النتن، وأعادوا حكومة ليست سيئة بالشكل وبالمضمون فقط، لا بل أعادت نظاماً سورياً كان قد دحره اللبنانيون من أوسع الأبواب في الـ٢٠٠٥. المشكلة في استنساخ النظام الأمني السوري هي في إعادة طرحه، كنظام سحري لإنقاذ البلد، وكأن تاريخ لبنان منذ دخول السوري إلى خروجه تغنّى بالفائض المالي، وتربّع على أعلى المراتب في سلّم الدول المتطوّرة اقتصادياً وأمنياً وحقوقياً.  

الوطن الذي نعتْه السياسة الحريرية، من الأب إلى الإبن، بالتعاون مع النظام السوري، ومن الأب إلى الإبن أيضاً، وأحزابه في لبنان لم يعد يعنينا… فكانت الثورة لإعادة ما تبقّى من حلمنا في وطن لكل اللبنانيين. الشجرة التي ذُرفت عليها دموع تماسيح السلطة وآمري العناصر الأمنية بـ “اصطياد” الشباب السلميّ في وسط بيروت، والجدران التي سجّلت أفكارنا والطرقات التي أقفلت بسواعدنا، ما هي إلّا تفاصيل من محطّات على طريق الانتفاضة على الظالم، فيما كانت الأجهزة الأمنية بكل ما تملك تقمع المظلوم. السلطة السياسية حوّلت مهام تلك الأجهزة من حماية المتظاهرين السلميّين إلى أجهزة قمعية تعتدي على الصحافيين وهؤلاء المتظاهرين عن سابق إصرار وترصّد. 

١٠٠ يوم، على بداية الثورة، لم يعد مهمًا فيها تعداد الانتهاكات بحقّ الإعلام وحتى تلك المتعلّقة فينا كثوّار مواطنين نحلم بدولة طبيعية. نظام سياسي واظب على قتل شعبه ولا يزال يقتله يومياً من دون رصاص، فقط بأحكامه وشرعيّته غير القانونية… لم توفّر هذه الطبقة السياسية الفاسدة أداةً إلّا واستخدمتها في تحجيمنا، وقمعنا، وإغراقنا في الديون وفي تجريدنا من إنسانيتنا… أين سيذهب كل هذا الغضب؟ أنظروا إلى الشارع… وانتظروا.