العبد المأمور والخوف من الحرّيّة

العبد المأمور والخوف من الحرّيّة

تصوير حسين بيضون

 العبد المأمور والخوف من الحرّيّة | بو ناصر الطفّار

أتنقّل في غربتي بين الصّور والمقاطع الواردة ليلة اعتداء عناصر مكافحة الشّغب على المتظاهرين والمتظاهرات أمام ثكنة الحلو في بيروت. أتى النّاس للمطالبة بالإفراج عن حوالي ستّين معتقلًا، فاعتقلت القوى الأمنيّة أكثر من ثلاثين منهم بعد ضربهم وإذلالهم بطريقةٍ وحشيّةٍ في الشّارع. أرى الغضب والحبّ يعتمران الوجوه الّتي تركتها شاحبةً دون ملامح قبل رحيلي، أسمع رفاقي يصرخون في الشّارع بوجه العالم كلّه، بوجه الاكتئاب القذر الّذي راكمته الدّولة على صدورنا منذ سنواتٍ كالجبال. 

أحاول تكبير إحدى الصّور لتحديد هويّة الشّابّ الّذي سحلته القوى الأمنيّة من شعره أرضًا إلى خلف السّور علّني أعرفه، لكنّني أتفاجأ بوجهٍ آخر أعرفه عزّ المعرفة بين المعتدين. زميل دراسةٍ لم أره منذ أكثر من ١٥ سنة، ينهال اليوم بهراوته القذرة على رؤوس رفاقي دفاعًا عن الفاسدين والقتلة. ذليلٌ أحسن ما يُمكن أن يقال دفاعًا عنه أنّه ليس سوى عبد مأمور، وهي برأيي صفةٌ يستحقّها.

يميّز مالكوم إكس، في واحدةٍ من أهمّ نصوصه عن العبوديّة، بين نوعين من العبيد: عبيد الحقل وعبيد المنزل؛ مستندًا في ذلك إلى العديد من المؤشّرات في نمط حياتهم وسلوكهم ومواقفهم تجاه السّيّد المالك وحرّيّتهم. يعيش عبد المنزل في بيت سيّده، يلبس فضلات ثيابه، يأكل فضلات طعامه، ينام في العلّيّة أو في القبو بحيث يبقى ملتصقًا به كخياله رهن إشارته، ويرى في كلّ ذلك تمّيزًا ورفعةً عن أولاد جلدته عبيد الحقل القذرين. تعبث العبوديّة بعقول عبيد البيت هؤلاء بحيث يصبح حبّهم لسيّدهم أكثر من حبّ سيّدهم لنفسه، بل حتّى أكثر من حبّهم لأنفسهم. يضحكون بصخبٍ لنكاته المملّة، يقفون لمجرّد مروره من بعيد، يتماهون مع سيّدهم أكثر من تماهيه مع نفسه، يصبحون صورةً عنه يقلّدونه بسلوكه وشخصيّته وينتقون نفس كلماته وتعاليه في تعاطيهم مع أفراد عوائلهم. هؤلاء يكونون مستعدّين للتّضحية بحياتهم لمجرّد مسح نقطة غبارٍ عالقةٍ على أثاث القصر. إن أتى أحد عبيد الحقل يومًا بمخطّطٍ للهروب من قصر السّيّد نحو الحرّيّة، سيرفض عبد المنزل فورًا، لا بل سيحارب المتمرّدين ويؤذيهم رغم أنّ حرّيّتهم تشمل حرّيّته هو. لكنّ الأبله يعتقد أنّ عبوديّته مختارةٌ، وتوفّر له امتيازاتٍ ملموسةً أكبر بكثيرٍ ممّا يمكن أن توفّره الحرّيّة السّوداء غير المضمونة. لا مستقبل إذًا لعبد المنزل خارج حذاء سيّده.

هذه حالنا اليوم مع عبيد السّلطة الفاسدة في لبنان، لا بل تصعب علينا معالجة عقليّاتهم وسلوكيّاتهم خارج هذا السّياق. وهنا، لا أقصد صغار الكسبة المنتفعين من الفساد في مصالحهم أو الفقراء الّذين انطوت عليهم بروباغندا التّهويل والتّخوين؛ نتحدّث هنا عن كلّ القوى الأمنيّة الرّسميّة، منها: فرقة مكافحة الشّغب وحرس مجلس النّوّاب، إلخ… أو غير الرّسميّة كمجموعات البلطجة المؤتمرة مباشرةً من أسياد الفساد متستّرةً بمسمّيات “أولاد المنطقة” و”ردّة الفعل العفويّة”. هؤلاء يضربون المتظاهرين والمتظاهرات بلا رحمة، يكسّرون عظامهم، يحرقون خيامهم، يسحلونهم في الشّوارع، يسجّلون لهم فيديوهات “قبل وبعد السّحسحوح” المقزّزة… يقتلون أيّ أمل بالتّحرّر من أسيادهم في مهده قبل أن يكبر.

 يبرّر البعض سلوك هؤلاء بأنّهم مساكين بلا حيلة، ويسمّون في هذا السّياق الأشياء بأسمائها “العسكريّ عبد مأمور شو طالع بإيده؟” ظنًّا منهم أنّ تعبيرًا كهذا سيدفع النّاس إلى التّعاطف معه والشّفقة عليه. لكنّهم لا يعرفون أنّهم يدلّوننا على عمق مشكلتنا معه ومع السّلطة من خلفه والّتي تعاملنا كأنّنا عبيد في حقلها، أو بأحسن الأحوال كعبيد منزلٍ مسعورين ننتظر أمر الانقضاض على أبناء جلدنا. 

تجرّد صفة العبد المأمور حاملها من إنسانيّته، تصوّره آلةً مسيّرةً لا دماغ لها ولا قلب. تأتيه الأوامر، ينفذّها بحذافيرها مهما بلغت وحشيّتها، ثمّ يعود إلى ثكنته بانتظار أوامر جديدة، مجرّد كيس رملٍ مرميٍّ أمام القصر يحميه من النّاس وغضبهم. 

هؤلاء ليسوا أعداءنا ولا هم إخوتنا، لا تربطنا بهم أيّة علاقة سوى أنّ الدّولة غسلت أدمغتهم وسلّحتهم ثمّ رمت بهم في الشّوارع لحمايتها. هؤلاء لا يخافون الحرّيّة فقط بل يحاربونها، مثلهم كمثل عبيد البيت. يرون في مطالب النّاس بالعدالة والكرامة تهديدًا لهم ولكلّ “امتيازاتهم” المفترضة الّتي ميّزهم بها أسيادهم عن الرّعاع في الشّوارع. لا شكّ أنّ زميل الدّراسة السّابق قد لبس هذه البدلة وحمل هذا الدّرع أساسًا عن طريق الواسطة، يستفيد مع عائلته من المكرّمات الماليّة والتّعليميّة والاستشفائيّة ومعاش التّقاعد وكلّ مكارم الدّولة عليه… يخاف على نفسه نفس خوفه على أسياده الفاسدين. يعتقد أنّ بقاءه من بقائهم، يخاف أن تسلبه العدالة امتيازاته المفترضة. لذا، ترى كلّ هذا الشّرّ في العيون قبل الهجوم، والوحشيّة خلاله. ليس غريبًا أن نرى أحد الآمرين وهم يحاولون لجم أحد عبيدهم وتهدئته، بينما يرفض الأخير التّهدئة ويستمرّ بالضّرب منتشيًا بساديّته، لأنّه يعرف في قرارة نفسه أنّه مهما بلغ الأمر من سوءٍ سيخرج من يدافع عنه قائلًا أنّه مجرّد عبدٍ ينفّذ أوامر من هم أعلى منه رتبة. إنّه سيخرج بأيدٍ نظيفةٍ مهما غالى في البطش حتّى ولو وصل الأمر إلى قتل النّاس وترك جثثهم في الشّوارع (سلام إلى أرواح شهداء الاحتجاجات الشّعبيّة الّذين سقطوا في مار مخايل وحيّ السّلّم والرّمل العالي إلخ…).

إذا ارتضى هؤلاء صفة العبوديّة لأنفسهم فهذا شأنهم، لكنّهم سيبقون بالنّسبة إلينا بشرًا من لحمٍ ودمٍ لا ماكينات عنفٍ مسكينة. هم ينتقون الطّريقة الأضمن لتكسير العظام باحتراف، يقرّرون على أيّة زاويةٍ من الرّأس ستؤلم ضربة الهراوة أكثر، يشتمون بكلماتٍ منتقاةٍ بدقّةٍ لإذلال الثّائر وكسر كرامته معتقدين أنّ كلّ هذا سيغلّف الذّلّ الّذي يغرقون فيه. بينما نقاتل نحن بكلّ ما أوتينا – كلٌّ من موقعه وقدرته – لبناء وطنٍ حرٍّ لا يخاف شعبه من جيشه وأمنه، وطنٍ تحفظ قواه الأمنيّة حقوق النّاس وكرامتهم عوض أن تحمي ثروات الأوليغارشيّة الحاكمة بالدّم وفسادها. نبني مجتمعًا متكاتفًا يسحب أفراده حقوقهم من عيون أصحاب المصارف حين تسرقها. 

هو ليس مجرّد خيارٍ واحتمال، هي ليست مجرّد محاولة. إنّه القدر المطلق الّذي لا يمكن للسّيّد الغنيّ ولا لعبده المأمور الوقوف بوجهه، قدرنا أن نعيش في وطنٍ حرٍّ لا أصفاد فيه سوى في معاصم القتلة والسّارقين.