نحو المولوتوف الكامن في الحقل الديني

نحو المولوتوف الكامن في الحقل الديني

  مازن السيّد


حتى تشرين ٢٠١٩، كانت معظم التحرّكات الإنقلابية على المنظومة اللبنانية تأتي من باب ما يعرف ب”إسقاط النظام الطائفي”. وكانت الممارسة السياسية العامة لهذه التحرّكات تُظهر غالباً أنّها تنطلق من مخيّلة نخبويّة لسيناريو الانتصار على الطائفية. ولا أستخدم هنا مصطلح النخبوية إدانة أو تجريحاً، بل إشارة إلى شكل من أشكال التغيير، تقوم فيه الكتل الشعبية بخلع انتماءاتها التاريخية نهائياً، وتلتحق بركب ما يسمى “المدنية”، وهي طبعاً متجسّدة بهؤلاء الذين سبقونا إلى “الخلاص”.

وكانت هذه المدنية المفترضة تتجسّد في نموذجين أساسيين: الخط المائل يساراً والآخر المائل يميناً. ليس موضوعنا التطرّق إلى المسافة بين الخطّين وقد تكون كبيرة، لكنهما يتقاطعان في أنهما ينتميان إلى توزيع الأدوار داخل نموذج المدينة المعَولَمة باقتصادها واجتماعها والسياسة. لذلك علّقت هذه التحرّكات في عنق الزجاجة المعدّ لهذا النوع من التوجّهات: حائط الرمزيّة المسدود، حين يتحوّل الإنقلاب على الأمر الواقع إلى جزء مكمّل للمشهد يزيده شرعية شكلية.

لم تنته هذه النزعات في ال٢٠١٩ ولكن الانتفاضة الشعبية جرفتها معها إلى الأمام، ومنها من قذفه السيل خارج السياق. أتى الانهيار الاقتصادي ليشدّ الناس إلى واقعها المادي، فحلّ محل المحرّضين التقليديين الذين علّق معظمهم في تحجّر أيديولوجي يجعلهم يبدون كشخصيات كاريكاتورية يوماً بعد يوم، لأنهم يفضّلون ذلك على المجازفة داخل الحقل الواقعي فكراً وفعلاً.

بهذا الجرف الغاضب أنتج الواقع ما لم يكن بحسبان تلك الفكرة الخلاصية السابقة. وأظهر المجتمع علاقة متعددة الأوجه بين الفرد والجماعة لم تكن في تصوّر ذلك النهج. حمل مرونة في تعاطيه مع ثنائيات كثيرة أهمها التناقض المفترض بين الانتماء للطائفة والخروج عنها. وبدت العدائية في تأكيد الخصوصية المذهبية كردّة فعل على تحدٍ خارجي مفترض، تتلاشى حين يقلّص الصراع المادي المسافة إلى “الآخر”، في المواجهة المباشرة مع أدوات الإستبداد.

شهادتي أن هذا ما كان في أسبوع الغضب، وتحديداً في ليال المصرف والثكنة وسبت المجلس. حين اجتمعت موروثات دينية- ثقافية متعدّدة في سياق اشتباكي واحد، استرجع الواقع المجال الديني المعتدي، وحرّره من توظيفه للتفتيت عبر المؤسسة الطائفية. فأرجعه في ذلك إلى مجموعة أساسية من مقاصده: إقامة العدل، الإنقلاب على الحتمية اللحظية، والاستقواء على الخوف بالتسليم للقيمة العليا.

لا ينبغي لنا أن نبالغ في تقدير حجم هذا الاختراق، ولكنه لا شك واقع. ولا يقتصر على اختلاط نداءات أو صلوات مختلفة في مساحة اشتباك مع السلطة. لأن الثورة حيثما تخلّت عن معاييرها التمدنيّة المسبقة أصبحت أكثر ارتباطاً بالممكن بدل المألوف، وأكثر جرأة على مقارعة السلطة داخل التراث وتثويره. هكذا فعل الشبّان الطرابلسيون تحت قبّة المسجد، مع الشيخ الذي كان قد اقترب من تكفير الثوّار واستفحل في شيطنتهم داعياً الناس من منبر بيت الله إلى اتباع الحريرية. فواجهوه بالحجّة القويّة حتى بدا أمامهم محرجًا ضعيفًا مناقضًا لأي صورة مثالية عن الأئمة في كل المخيّلات الإسلامية أو حتى الدينية. هكذا يفعل الشيخ ياسر عودة أيضاً، وآخرون من أمثاله، يتصدّون بهوامش غير مسبوقة للرواية السلطويّة الدينيّة.

إن هكذا ثورة داخل الحقل الديني تقف على النقيض التام للنّزعات التكفيريّة الرجعيّة التي تقدّم نفسها كانقلابٍ فئويّ على الأمر الواقع. فهي لا تتحرّك بتناغم بين الموروثات الدينيّة فحسب، بل بينها وبين الطاقات الروحيّة اللادينيّة الأخرى والكامنة في الإرث الماركسي العالمي والمحلي خصوصاً، وأيضاً في طاقات كالسخرية والشتم – فالله أكبر من أن أخاف شتم المستبدّ. وهي ليست نخبويّة تسعى لفرض فقهها الخاص بالعنف كسكّة وحيدة للنجاة، بل شعبيّة فكريّة تراكم فعلها في المجال العام وتدخل إلى التراث لتنشّطه كقوّة حيوية تحرّرية، لا لتعيد إنتاجه كأحفور حضاري في مزبلة العولمة.

قد يتساءل البعض عن جدوى التفكير بتثوير المجال الديني، متسلّحًا بفرضيّة أن السقف العالي للثّورة يوجب علينا التفكير بالانعتاق من التراثات الدينية أو غيرها، وأن العالم يتّجه إلى تجاوز المعتقد الديني فلم “التخلّف”؟ 

أقول أنّ ارتفاع سقف الطموح الثوري هو تحديداً ما يحيلني إلى فكرة تثوير الدين، لا إصلاحه ولا التخلّي عنه، أن منطق الإصلاح الديني، كمنطق الإصلاح السياسي، يقارب أطراف السائد لا نواته. كما أن سيناريو التخلّي هذا لن يساوي أبداً إسقاط الطائفية، وهي غالباً أعتى ما تكون عند التابعين غير المتديّنين علمًا أو ممارسة. هذا التخلّي يبدو لي أيضاً مجرد ارتماء في معتقدات الامبراطوريّة الرأسماليّة العالميّة، حيث نبقى أجساداً مستهلكة مستعبدة تضاف إلى جحافل كادحي الكوكب، لتنال قلة من “مواطنينا” امتيازات الوصاية على دوام استغلال قوانا وموارد بلادنا.

إن تراكم الدفع الثوري في المجال الديني، إلى جانب تفعيل العمل التنظيمي، من شأنه أن يزلزل الطائفية بقواها الدينيّة والسياسيّة والماليّة معاً. وهو مسلك يبدو لي على صعوبته أكثر واقعية من سيناريو إسقاط الطائفية من خارج الحقل الديني. إن تنامت هذه الوجهة الشعبيّة، ووازتها مكتسبات ثوريّة داخل المجال السياسي تشريعاً وتنفيذاً نحو دولة مواطنة وعدل، فستحقق الثورة المجتمعيّة الشاملة التي نريد. ثورة تخترق مع أخواتها في بلاد كثيرة كل هذه الجدران المسدودة أمام الأفق التحرّري، نحو استعادة كل منّا إنسانيّته المسلوبة.