ألا نريد السلطة؟

ألا نريد السلطة؟

افتتاحية ١٧ تشرين – د. إبراهيم حلاوي

لقد قطعت الانتفاضة في لبنان المرحلة الأولى، بعد مرور مئة يوم على بدايتها. بدأت المرحلة الثانية بشغبٍ ثوريّ، قابله نجاح النخب الحاكمة في إعادة التموضع في السلطة، من خلال تشكيل حكومة جديدة ومعارضة شكليّة لها. وبذلك، أصبح من الواجب على من يملك رفاهية التفكير من قبل الثوّار، مراجعة المرحلة الأولى والتخطيط الجدّي للمرحلة الثانية وما بعدها.

نجحت المجموعات الجديدة والقديمة في الانتفاضة، بتفادي العديد من الكمائن السياسيّة التي نصبتها النخب الحاكمة لها في المرحلة الأولى، ومن أهمّها، دعوة رئيس الجمهورية ميشال عون للحوار مع “ممثّلين عن الحراك”، وغيرها من الوسائل التقليدية في التخوين والتضييق اللوجستي والمعنوي والإعلامي، وذلك عبر الابتعاد عن الخطاب التمثيلي للانتفاضة، واستبعاد علني للعمل السياسي التقليدي – أي العمل الحزبي والتجنيدي والتنظيمي.  بمعنى آخر، نجحت الانتفاضة في الصمود السياسي من خلال رفض العمل السياسي (ما وصفه البعض بشكل عفوي أنّه “حراك غير مسيّس”). ورغم فداحة الاعلام التقليدي وأخطائه، استفادت الانتفاضة من التغطية الاعلاميّة التي كشفت التنوّع في الشارع وفي المطالب، وصعّبت مهام النخب الحاكمة وأبواقها في تخوين الانتفاضة واستدراجها طائفياً. 

 لكن، مع انتهاء المرحلة الأولى، لا بدّ من إعادة النظر في ثقافة الخجل من الصراع على السلطة، رغم فعاليّة الخجل هذا، في صمود الشارع في المئة يوم المنصرمين. على من يملك رفاهية التساؤل أن يسأل: ألا نريد السلطة؟ أنطلب من النخب الحاكمة إسقاط نفسها؟ كيف ستوظّف إذاً التضحيات التي يدفعها الثوّار والثائرات في وجه عنف الدولة في السياسة؟ كيف، ومن، سيحوّل ملاحم الشارع الى مشروع يقرّب الثوّار من السلطة؟

 يصبح موضوع العمل السياسي الثوري أمراً ملحّاً، مع تراكم التضحيات والتكاليف الجسديّة والماديّة والمعنويّة على الثوّار والمجتمع ككل. وإلاّ سنكشف صدورنا للانتهازيّين، ونفدي عيوننا، شئنا أم أبينا، لأحزاب النخب التقليديّة، التي هي على أهبّ الاستعداد لقطف الانتفاضة وتوظيفها لمصالحها السياسيّة الضيّقة. 

تجرّنا هذه المخاوف الى تاريخ الثورات، لكي نتعلّم العبر والدروس. 

يتّفق المفكّرون والمفكّرات الثوريّون والثوريّات في التاريخ الحديث، على أنّ العنف (أو الإرهاب المنظّم ضد الدولة القمعيّة وأدواتها) هو وسيلة أساسيّة في الثورات. ويعتبرون أن كسر احتكار الدولة للعنف المنظّم، شرط من شروط النجاح. ولكنهم يتّفقون أيضاً على ضرورة تشكيل تنظيمٍ ٍ سياسيٍّ ثوريٍّ ما، أو تحالف أحزاب ثوريّة معيّنة، لتنظيم وتخطيط، والأهم من ذلك، توظيف العنف في السياسة. هذا طبعاً في حال كانت المطالب فعلاً ثوريّة. وإلاّ يصبح العنف هدفاً بحد ذاته للمنتفضين، ويبقى وسيلة للتوظيف السياسي من قبل النخب التقليديّة والمضادة للثورة المتصارعة على السلطة.

تاريخ الثورات أيضا يجعلنا نستبعد مطلب حكومة التكنوقراط، باعتبار أنّ السلطة التنفيذية (أي الحكومة) غير قادرة على أن تكون مستقلّة عن السلطة التشريعية (المجلس النيابي) في نظامنا البرلماني. ماذا “تنفّذ” اذا لم تكن منبثقة عن الأحزاب التي “تشرّع”؟ أما السلطة التشريعيّة، فتسيطر عليها الأحزاب الطائفية بحُكم فوزهم بآخر انتخابات نيابيّة. 

وبالتالي، لا مفرّ من العمل السياسي التقليدي لاستلام الحكم البرلماني، وليس فقط مطالبات بأن تسقط الأحزاب الحاكمة من الحكومة. فالعمل السياسي التقليدي ينتج أحزاباً ثوريّة تمثّل الشارع، وتعطي المجتمع بدائل عمليّة عن أحزاب الحرب. وتوظّف الأحزاب الثوريّة تضحيات الثوّار وضغط الشارع لاستدراج الحكومة الى انتخاباتٍ مبكرة، على أساس قانونٍ نسبيّ يعطي الأحزاب الجديدة حقها التمثيلي، ويقرّب الثورة من استلام السلطة، أو تستلهم الأحزاب خطة بديلة للوصول إلى السلطة بحسب التغيّرات والأحداث. ولكن، وبكل الأحوال، المرحلة الجديدة ستكون مصيريّة لانتفاضتنا، وعلى من يملك حسّ المسؤولية والشجاعة والرؤية بأن يأخذ المبادرات، ويؤتمن على التضحيات التي نراكمها كمجتمعٍ مقيّد بأحزاب الحرب.

لا شك بأن العمل السياسي يتطلّب وقتاً، وقد يستغرق أكثر من مئة يوم. لكن رغم هذه المعضلة، كل يومٍ يمرّ في المرحلة الثانية، يُسجَّل فيه بطولات وتضحيات في الشارع، على أبواب المصارف ومصادر الهدر والفساد، من دون تنظيم سياسي، أو تنظيمات تتحمّل مسؤوليّته وتوظّفه في مشروعها السياسي وصراعها العلني على السلطة مع الأحزاب الحاكمة، هو يومٌ ضائعٌ وتضحياتٌ ضائعة تخدم الانتهازيّين. أقلّه أن تبدأ المرحلة الثانية بالبوح أنّ الانتفاضة ذاهبة الى صراعٍ على السلطة، وبأنّ الشارع سينُتج شخصيات قياديّة ذات رؤية لبديلٍ انسانيٍ عن نظام الطوائف.