الهوّة ما بين الأكاديميّة والاحترافيّة في الرّياضة

الهوّة ما بين الأكاديميّة والاحترافيّة في الرّياضة

تصوير بدر صفدي

جمال زعرور
وضع الرّياضة في لبنان يعكس وضع البلد: مواهب ضائعةٌ رغم محاولاتٍ جبّارةٍ لإثبات القدرات أمام اتّحاداتٍ رياضيّةٍ فاشلةٍ. لم تعد مخفيّةً على أحدٍ تلك الفجوة الّتي يعانيها لبنان على الصّعيد الرّياضيّ، والّتي تتمثّل بوجود اختلالٍ في هيكليّة الرّياضة المحلّيّة، تؤثّر سلبًا على الرّياضيّين كلّما كبروا بالسّنّ واقتربوا من مرحلة “الاحترافيّة”. فما يراه النّاس على أرضٍ من تحضيرٍ وتنشئةٍ رياضيّةٍ، لا يعكس واقع الحال على المدى الطّويل، إذ أنّ فرص الاحتراف المتاحة تكاد تكون منعدمةً حين يصل اللّاعبون إلى سنّ الاحتراف، وتبقى الإنجازات محصورةً بمشاريع واستثمارات القطاع الخاصّ بالفئات العمريّة دون سن ال١٧ عامًا.

تحظى أكاديميّات كرة القدم في لبنان باهتمام كبير من قبل المستثمرين، وهذا ما أدّى إلى التّطوّر النّسبيّ في التّجهيزات والبرامج الرّياضيّة للّاعبين دون سنّ ال١٧ عامًا، وبروز المواهب الرّياضيّة لهذه الفئة العمريّة. ما لا يعرفه الكثيرون أنّه عندما يتنافس اللّاعبون اللّبنانيّون من الفئات العمريّة المذكورة في البطولات الإقليميّة والدّوليّة، غالبًا ما يعودون إلى الوطن مدجّجين بالميداليّات، والأمثلة على هذا كثيرةٌ. فاز فريق كرة القدم في الجامعة الأميركيّة للعلوم والتّكنولوجيا بالميداليّة الذّهبيّة في بطولة جامعات أوروبا “يورو ايبيزا ٢٠٠٩” في إسبانيا، والّتي كان مشاركًا فيها أكثر من ١٥ جامعةً أوروبيّةً. وفاز منتخب سيّدات لبنان دون ال١٧عامًا ببطولة العرب سنة ٢٠١٥ بقيادة المدرّبة هبة جعفيل. الاستثمار في هذه الفئة العمرية حقّق نجاحاً متواصلاً عامًا بعد عامٍ، ففي أكبر بطولة أكاديميّات في العالم “كأس غوثيا” الّتي تقام سنويًّا في السّويد؛ وهذه البطولة مرّ منها لاعبين دوليّيين عندما كانوا لا يزالوا يبحثون عن النّجوميّة في سنّ المراهقة مثل أندريا بيرلو، ألان شيرير، زلاتان ابراهيموفيتش، كيم كالشتروم وغيرهم. وقد وصل فريق أكاديميّة بيروت “بي أف أي” إلى المباراة النّهائيّة لإحدى الفئات العمريّة – ٢٠٠٣ في كأس غوثيا، وهو إنجازٌ للكرة اللّبنانيّة.

لكن، لا يبدو الوضع إيجابيًّا حين يتعلّق الأمر بمستقبل اللّاعبين عند بلوغهم سنّ الاحترافيّة. فمعظم اللّاعبين يعملون في وظائف أخرى ليؤمّنوا احتياجاتهم المعيشيّة، كون عائدات الأندية لا تكفي لبناء مستقبلٍ احترافيٍّ، ما يؤثّر جسديًّا وذهنيًّا على أداء اللّاعب ومسيرته الكرويّة.

هناك العديد من مواهب كرة القدم السّاطعة في لبنان الّتي يجب الاهتمام بها؛ كلاعب منتخب لبنان تحت الـ١٢ عامًا، عمر محمّد خالد، وغيره من المواهب الّتي لا تحظى بالانتباه من قبل الاتّحاد اللّبنانيّ إلّا عند الاستحقاق الدّوليّ، بينما يفترض أن تكون هناك خطّةٌ وموازنةٌ معتمدةٌ لاستراتيجيّة دعمٍ لمثل هذه المواهب.

إنّ الاتّحاد الدّوليّ لكرة القدم “الفيفا” غالبًا ما يساعد الاتّحادات المحلّيّة، وخصوصًا اتّحادات الدّول النّامية كلبنان. أين تذهب هذه الهبات والمساعدات؟ لماذا لا تُستثمر لتحسين الملاعب وأرضيّتها؟ أين ذهبت الجوائز الماليّة الّتي وُعد بها لاعبو المنتخب الوطنيّ، عقب تأهّلهم إلى تصفيات آسيا النّهائيّة المؤهّلة لنهائيّات كأس العالم ٢٠١٤؟ رغم فساد الدّولة وفشلها على الصّعيد الرّياضيّ، ستبقى الرّوح رياضيّةً، وستستمرّ محاولات المواهب الوطنيّة لإثبات الذّات وتمثيل الوطن في الخارج أحسن تمثيلٍ، عكس التّمثيل السّياسيّ المذلّ.