الصّراعات السّياسيّة في الرّياضة: أكثر من مجرّد ديربي

الصّراعات السّياسيّة في الرّياضة: أكثر من مجرّد ديربي

رسم آية الدبس

قاسم نعمة

تعتبر الرّياضة، بالإضافة إلى أنّها أداةٌ للتّرفيه، وسيلةً لتقريب الشّعوب من بعضها ولتعزيز الوحدة بين مجتمعات البلد الواحد. هذا التّعريف متّفقٌ عليه عالميًّا، إلّا أنّه ليس دقيقًا.
يتمّ الاعتماد على الرّياضة لمدّ جسورٍ بين الأمم، كإنشاء الألعاب الأولمبيّة وبطولات كأس العالم؛ ولعلّ أكبر مثالٍ على ذلك هو كلاسيكو اسبانيا بين ريال مدريد و برشلونة.

مدريد عاصمة اسبانيا ومعقل العائلة الملكيّة (اليمين)، وبرشلونة هي عاصمة مقاطعة كاتالونيا (اليسار) الّتي يطالب شعبها بالاستقلال عن الدّولة الاسبانيّة. هنا، يكمن أصل العداوة بينهما وقد ساهم العديد من الأحداث عبر التّاريخ في تأجيج هذا الصّراع.

الحرب الأهليّة الاسبانيّة، الّتي امتدّت من عام 1936 حتّى 1939، كان لها أثرٌ كبيرٌ بحيث نجح الجنرال فرانكو بالاستيلاء على الحكم في حين كانت مدينة برشلونة (قيادةً وشعبًا) معاديةً لسياسته وممارساته القمعيّة.
كانت كرة القدم، وقتها، تجتاح أوروبا لتصبح اللّعبة الأكثر شعبيّةً، إضافةً إلى كونها وسيلةً للتّعبير عن الآراء؛ فالملاعب مساحةٌ للمطالبة بحقوقهم وحرّيّتهم. لذا، اصطفّ جميع سكّان كاتالونيا وراء نادي برشلونة اعتراضًا على حكم فرانكو. ومن هنا، جاء شعار “Mes que un club” أي “أكثر من مجرّد نادٍ”.

أبرز الأسباب الّتي زادت الكراهيّة بين النّاديين، كان تعاقد ريال مدريد مع دي ستيفانو الّذي أصبح لاحقًا أحد أساطير النّادي بعد أن كان من المفترض أن يكون لاعبًا مع برشلونة، لولا تدخّل الدّولة الاسبانيّة وتعديل قانون الانتقالات لمصلحة النّادي الملكيّ.
الصّراع كبيرٌ ويترجم على أرض الملعب والمدرّجات، حتّى يومنا هذا. والصّراع لا يقتصر على اللّاعبين المحلّيّين فقط، إنّما على القادمين من بلدانٍ أخرى أيضًا؛ فهم يصبحون جزءًا من هذا النّزاع بمجرّد أن ارتدوا قميص أحد الفريقين.
فكاتالونيا تريد الاستقلال عن اسبانيا، ولاعبو برشلونة يجدون أنفسهم أحيانًا مطالبين بإبداء آرائهم وإعطاء التّصريحات بهذا الشّأن مثل “جيرارد بيكّيه”، مدافع الفريق الّذي اعتزل اللّعب دوليًّا بعد أن نال الكثير من الانتقادات من قبل الاسبانيّين بسبب نشاطاته الدّاعمة للاستقلال.

آخر النّزاعات نشهده اليوم: احتجاجاتٌ عنيفةٌ في مقاطعة كاتالونيا، دفعت بالاتّحاد الاسبانيّ إلى تأجيل الكلاسيكو المقرّر في 26 أكتوبر إلى 18 ديسمبر، وطلب تعزيزاتٍ أمنيّةٍ مشدّدةٍ لضمان سلامة أعضاء الاتّحاد والحكّام على الأقلّ.
هو أكثر من مجرّد ديربي. هو معركةٌ سياسيّةٌ طبقيّةٌ وجوديّةٌ تترجم على أرض ملعبٍ وفي المدرّجات، وهو الصّراع الأكبر في كرة القدم والرّياضات الأخرى نظرًا لحجمه الجماهيريّ.