أفتقد جبل الزّبالة

أفتقد جبل الزّبالة

تصوير طارق قبلاوي

رواد كنج

منذ السّادسة عشرة من عمري وأنا في اشتياقٍ دائمٍ إلى جبل النّفايات الّذي كان يرزحُ عند بوّابة الجنوب “صيدا” والّذي أستنشقُ عبقه كلّ يومٍ أقرّر فيه الذّهاب إلى العاصمة “بيروت” . لقد قاموا بإزالته نهائيًّا ولكن ليس من ذاكرتي.
كنتُ وأخي الأكبر نصعد بالفان الّذي يقوده أبي، الفان الّذي أصبح اليوم ملك تاجرٍ آخر يبيع به جميع مشتقّات الألبان والأجبان.
كان أبي تاجر زهورٍ، يزرع ويزيّن كلّ الأفراح في المنطقة. كنّا نستخدم أوراق الشّجر الكبيرة الّتي كانت وما تزال مزروعةً على طول الطّريق. وكانت بلديّة صيدا تقوم بتشحيل الأشجار ورمي الأوراق على قمّة جبل النّفايات كلّ شهرٍ نهار الأربعاء، كانت نزهةً بالنّسبة إليّ… أن أرى نفايات النّاس وأشياءهم الّتي ملّوا من استخدامها والّتي ربّما لم يحسنوا معاملتها (أطباق، ألعاب، ملابس، ساعات، هواتف محمولة، حواسيب، طاولات خشبيّة وحديديّة، برّادات، غسّالات… وكلّ ما يخطر ببالك عزيزي القارئ).
لن أصف رائحة الجبل الّذي يتدلّى بثيابه الرّثّة على شاطىء البحر، وكيف كان جاثمًا كتلّةٍ واحدةٍ فوق ثروتنا السّمكية. يجب عليكم أن تزوروه إذا أردتم أن تعرفوا عن أيّ جبلٍ أتكلّم.
بعد إزالة الجبل نهائيًّا، أصبحنا، أخي وأنا، ننام أكثر لأنّ والدي لم يكن ليذهب إلى جبلٍ غير موجودٍ ليجمع أوراق الأشجار، ولم يعد أصلًا ينسّق الزّهور فيها. في الحقيقة، لم يعد يتاجر بالزّهور ولا حتّى يبيعها. الوضع الاقتصاديّ لم يكن يومًا جيّدًا، ولم أكن آبه لذلك. كلّ ما أريد هو رحلةٌ أخيرةٌ إلى الجبل الرّائحة، جبل رائحة المجتمع الكريه الّذي أموت فيه كلّ يومٍ. ولن أخاطر بالذّهاب إلى أيّ مكانٍ آخر يشبهه… لقد سئمت النّفايات.
آخر ذكرى لي هناك كانت طائر نورسٍ مكسور الجناحين، التقطه أخي بعد ربع ساعةٍ من لحظة وصوله إلى الجبل.
سخر منّا القدر مرّةً أخرى، ومات نورسنا المحبّ للمياه، كلّ المياه حتّى تلك الّتي تتدفّق في أروقة المنزل عندما كانت أمّي تنظّف المنزل من غبار المجتمع الكريه الّذي أموت فيه كلّ يومٍ.
السّيّئ أنّني لم أعد أذكر موقع الجبل ولا كيفيّة الوصول إليه… هذا ما كان ينقصني بعد أحد عشر عامًا.
فشلٌ آخر ذريعٌ في عدم معرفة الوصول إلى ما أريد… في عدم القدرة على إيجاد ما تبقّى من أغراضي القديمة.
صناديق من ورقٍ ومن خشبٍ ومن بلاستيك أملأ بها خزائني، ولا أستعمل منها أيّ شيء. وفي كلّ مرّةٍ أصنع منها جبلًا في غرفةٍ صغيرةٍ، أبعثرها من جديدٍ وأختار منها أربعة أشياء لأتخلّص منها. إنّها عبءٌ ثقيلٌ لمن يعرف، ولمن لا يعرف أيضًا.