النّظام اللّبنانيّ: الانتقال من الطّمع إلى الجشع

النّظام اللّبنانيّ: الانتقال من الطّمع إلى الجشع

رسم أحمد عامر

فراس حميّة

لطالما سمعنا في صغرنا كلمات النّهي عن الطّمع والجشع، لارتباطهما بالدّناءة واعتبارهما صفاتٍ غير حميدةٍ. كان أهلنا ينهوننا عن ممارسة صفاتٍ كهذه في تعاملنا مع أخوتنا وأصدقائنا ومع الآخرين. كذلك كانت تفعل المعلّمات في المؤسّسات التّربويّة، وأيضًا في قصص الأطفال وغيرها من وسائل التّربية الّتي كانت تحثّنا على نبذ الطّمع والجشع بسبب مضارهما.
في مخيّلتنا، كان هناك تطابقٌ بين المفردتين، وكذلك في استعمالاتنا اللّغويّة حيث ننطق بالكلمتين، الواحدة بدلًا من الأخرى في أحاديثنا. ولم نتعلّم التّراتبيّة الّتي تحيط بالمصطلحين على اعتبارٍ أنّ “الجشع” يمثّل صفةً أعلى من “الطّمع” وأشدّ دناءةً. كما لم يشر لنا أحدٌ عن وجود طبيعةٍ جماعيّةٍ لهاتين الكلمتين، وعلى الصّعيد الاجتماعيّ ككلٍّ، لا على الصّعيد الفرديّ فحسب.
وتتحوّل هاتان الصّفتان في السّياق الجماعيّ إلى حالاتٍ، وتصبح كلّ صفةٍ معبّرةً عن حالةٍ عامّةٍ تطبع مجالات العمل والعلاقات بشكلٍ عامٍّ. وحين نسقط المفردتين في الحقل السّياسيّ للنّظام اللّبنانيّ، تتبدّى وتظهر لنا طبيعة “النّشوء والارتقاء” الّتي تمارسها الطّبقة الحاكمة باعتبارها الممثّل الشّرعيّ الوحيد عن النّظام في لبنان.
يعرف الطّمع بأنّه الرّغبة الشّديدة في الحصول على الشّيء بنهمٍ كبيرٍ، للاستحواذ عليه، أي اشتهاؤه. يعني الطّمع “أن تريد لنفسك أكثر من غيرك”. أمّا الجشع، فهو الطّمع الشّديد بنهمٍ وشراهةٍ، وأن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك. ومعناه “أن تريد المزيد لنفسك والقليل لغيرك”.
الفرق الجوهريّ بين الطّمع والجشع هو في “أنّ الطّمّاع يطلب صحن أكلٍ ثانٍ قبل إنهاء الأوّل، بينما الجشع فيطالب بصحون الآخرين لزيادة الكمّيّة لديه”.
تحديد الفرق بين المصطلحين
للقول أنّ النّظام الّذي كنّا نعيش تحت نيره قبل انتفاضة 17 أكتوبر، كان ولا يزال نظامًا يسرق شعبه ضمن حالة الطّمع. كان نظامًا طمّاعًا. وكان يترك لنا الفتات، وبعض المنافذ، وبعض الهواء والفضاءات. حتّى ضاقت السّبل بهذا النّظام وقرّر الانتقال إلى طورٍ آخر أكثر وحشيّةً، أي نظام الجشع. وكانت النّقطة الفاصلة بين الطّورين/النّظامين جلسة مجلس الوزراء الّتي قرّر فيها ضباع الحكومة مجتمعين فرض حزمةٍ جديدةٍ من الضّرائب على اللّبنانيّين.
في تلك الجلسة، اتّخذ القرار بانتقال النّظام من حالة الطّمع إلى حالة الجشع. وليس تفصيلًا هذا الانتقال لأنّه انتقالٌ حتميٌّ فرضته معطياتٌ تفيد بأنّ النّظام اللّبنانيّ استنفذ حالة الطّمع ككلٍّ حتّى جفّفها، فكان لا بدّ من التّوجّه نحو مرحلةٍ أعلى ومستوًى متقدّمٍ من النّهب. وأدوات المرحلة الجديدة تقتضي حصرًا إفقار الفقير وإثراء الأقلّيّة الحاكمة.
الانتقال من الطّمع إلى الجشع
يستحيل على طبيعة النّظام في لبنان، أن تعود أدراجها إلى الوراء. ويستحيل أن تتنازل هذه الطّبقة لصالح الطّبقات الشّعبيّة، وأن تقوم بتعديلاتٍ وإجراءاتٍ لصالح هذه الطّبقات. هذه الطّبقة المتحكّمة بمفاصل السّلطة في النّظام اللّبنانيّ، كان حتميًّا عليها الاستمرار في عمليّة النّهب وسرقة مقدّرات الدّولة والشّعب في لبنان.
ليست المسألة شخصيّةً مع نائبٍ من هنا أو وزيرٍ من هناك، مع التّشديد على المسؤوليّة التّضامنيّة لممثّلي الأقلّيّة وأدواتها في الحكومة؛ بل إنّ المسألة تتعلّق أساسًا بالتّركيبة البنيويّة للنّظام والّذي تمّ تشييده من قبل الأقلّيّة للسّير في اتّجاهٍ واحدٍ، وكان لزامًا الوصول إلى حائطٍ مسدودٍ ومن ثمّ البحث عن استراتيجيّاتٍ جديدةٍ لإنعاش نظام اللّصوصيّة.
نظام اللّصوصيّة
صفات اللّصوصيّة الأساس: قصور تأنيب الضّمير أو الرّادع الأخلاقيّ أو الرّجوع عن الخطإ والخطيئة وطلب الغفران والشّعور بالنّدم. صفة اللّصّ الأساس أنّه يستحيل أن يشعر بمسؤوليّة تصرّفاته تجاه الآخرين والأضرار المترتّبة عن سلوكيّاته. اللّصّ لا يعترف بسرقاته ولا يمكنه، بأيّ حالٍ من الأحوال، التّخلّي عن مكتسباته وغنائمه الّتي حصل عليها بفعل سرقته للمال العامّ.

يضاف إلى ذلك، أنّ اللّصوصيّة الفرديّة في الشّارع تواجه بالقانون والأعراف الاجتماعيّة والخلقيّة والدّينيّة؛ بينما اللّصوصيّة ضمن النّظام، هي حالةٌ مشروعةٌ تعبّر عن واقع هذا النّظام القائم أساسًا على تكديس المسروقات بين اللّصوص. الفرق بين اللّصوصيّة الفرديّة وبين لصوصيّة النّظام الحاكم تتجلّى في القوننة الّتي أسبغها أركان النّظام على سرقاتهم، بفضل تجيير القانون لخدمتهم وعبر تشكيل عصاباتٍ تحتمي بالقانون.
في جلسة مجلس الوزراء المشؤومة، وصلت اللّصوصيّة إلى أعلى مراحلها. كان المطلوب انتقال النّظام لمرحلة الجشع بعد أن سدّت كلّ الأفق أمام نظام الطّمع. لكن ما حدث أنّ الشّعب انتفض، وردًّا على الانتفاضة استشرس النّظام الوسخ في جشعه أكثر فأكثر. وزادت قدرته على الجشع أضعافًا مضاعفةً لأنّ الأزمات تخلق ظروفًا مؤاتيةً للنّهب، إذ لا حسيب ولا رقيب.
كان أركان النّظام الجشع يودّون فرض الضّرائب تباعًا، ولذلك اتّفقوا مجتمعين على تهدئة كلّ عصابةٍ لشارعها وجمهورها. كان الهدف تسهيل الانتقال بسلاسةٍ وتمرير حزمة الضّرائب على “السّكت”. وحين فجر الشّارع، تضخّم الجشع دفعةً واحدةً بعد 17 أكتوبر.
تضخّمت وتبيّنت نتائج الجشع وانكشف النّظام على حقيقته ضربةً واحدةً. وجرّدت الانتفاضة النّظام من ثيابه وربطات عنقه، أصبح نظامًا عاريًا. الشّعب رأى الحقيقة العارية لنظام الجشع الحاكم، وواجه عمليّة الانتقال من حالة الطّور الأدنى “الطّمع” إلى حالة الطّور الأعلى “الجشع”.
ماذا بعد؟
لكنّ المحكّ الأساس يكمن في أنّ الانتفاضة وضعت النّظام على مفترق طريقٍ وسلبته مشروعيّته، إلّا أنّ النّظام استطاع تحصيل مكاسب في مدّة خمسين يومًا أكثر ممّا كان يمكن له تحصيله في أربع سنواتٍ ربّما. يعود السّبب في ذلك إلى القلق والخوف بعد أن هدّدت انتفاضة ١٧ أكتوبر أركان النّظام وخلخلته، فسارع أربابه الجشعون إلى تكديس أرباحٍ أكثر. فكما هو معروفٌ أنّ الأرباح تتراكم خلال الأزمات بفعل الاستغلال، بينما ترتفع نسب الفقر والآفات الاجتماعيّة والأمراض المجتمعيّة.
الخطر الآن، هو السّكوت. الصّمت خطرٌ في هذه المرحلة. النّظام الجشع لم يعد يستحي لأنّه أصبح مكشوفًا، ولا مشكلة لديه في الانكشاف ما دام يواصل مصّ دم الشّعب اللّبنانيّ. فكيف نترك هذا النّظام يسرح ويمرح ويلعب بشعبنا ويذلّنا بالوقوف طوابير على محطّات الوقود وأمام المصارف، فيما تعجز الدّولة عن مواجهة عصابات المال والمحروقات والخبز والأدوية؟!
انتشرت مقولةٌ في حديثٍ خاصٍّ بين زعيمٍ إقطاعيٍّ ومصرفيٍّ كبيرٍ، يمكن لهذه الجملة تلخيص الوضع، ومفادها: “لمّا النّاس تجوع، بيرخص سعرها.” وكذلك، نجد الحوار التّالي في فيلم “ذئب وال ستريت” بين النّادل والمصرفيّ:
النّادل: ما هو رقمك؟
المصرفيّ (في وال ستريت): رقم الهاتف؟
النّادل: لا، رقم الدّولارات الّتي ستشبعك!
المصرفيّ: المزيد، فقط المزيد.
يقال “المال السّايب يعلّم النّاس السّرقة.” لذا، لا يجب أن نترك أموالنا وحقوقنا، ويجب الدّفاع عنها في وجه نظام اللّصوصيّة الحاكم. هذا النظام العاري يجب شنقه والانتقال إلى نظامٍ عادلٍ لا مكان فيه للطّمع والجشع، وإلّا سوف تعلّق مشانق اللّبنانيّين على أيدي هذه الطّبقة الحاكمة.