الثّورة… استطلاعٌ وخريطة طريق

الثّورة… استطلاعٌ وخريطة طريق

سحر غدّار

تحذير: قد يحتوي هذا المقال على رؤيةٍ لا تُعجبك، ولا تلّبي طموحاتك؛ إنّما تعكس طموحاتنا بدولةٍ مدنيّةٍ لاطائفيّةٍ ووطنٍ عادلٍ حرٍّ ومستقلٍّ

أُعيدُ ضبط إيقاع انتفاضة 17 تشرين مع نهاية كلّ يومٍ من التّحرّكات والأصوات الّتي ننحتها من وجع النّاس. سبعون يومًا وبوصلة انتفاضتنا ثابتةٌ في مكانٍ واحدٍ، عبر إيقاعٍ واضحٍ يتغّنى بدولةٍ مدنيّةٍ وحرّةٍ وبعيدةٍ عن كلّ ما تنطق به الطّائفيّة السّياسيّة.

صمدت انتفاضتنا أمام كلّ محاولات التّشويه، ولا زالت غير آبهةٍ بحركة المتشبّثين بالسّلطة الّذين يحاولون حتّى اليوم، وبشتّى الطّرق، أن يخفتوا صوتًا صرخ في وجه فاحشة الفساد المتجذّرة بين أنياب أمراء الجشع والسّرقة والنّهب.

لم يعد المشهد الّذي رسمته الموروثات السّياسيّة والطّائفيّة مقبولًا عند أيّ أحدٍ منّا.

وقفتُ كثائرةٍ على هذا الوضع الّذي أجبرونا على التّعايش معه طيلة حياتنا الّتي سبقت 17 تشرين. وقفتُ أمام رؤيةٍ واضحةٍ بالنّسبة إليّ. لن أخرج من الشّارع رغم كلّ التّشويه والتّصويب بأنّ ثمّة من احتوى الانتفاضة، وثمّة من أطّرها ضمن سياقاته الحزبيّة والمصلحة الطّائفيّة والسّياسيّة.

نحن، أبناء 17 تشرين، خرجنا من أرحام الطّائفيّة والحسابات المهترئة ودهاليز التّعصّب الحزبيّ والمذهبيّ. وهذه انتفاضةٌ تمثّل حبل خلاصٍ لوطنٍ أماته الجهل والتّبعيّة. تعلو أصوات حناجرنا لتكون مطرقةً لا تملّ من تكرار ضرباتها على باطونٍ مسلّحٍ بقوانين مصمّمةٍ على قياس كلّ صاحب سلطةٍ وزعيمٍ طائفيٍّ. لن نخرج من شوارعنا، لأنّ الثّبات هو الخيار الصّحيح.

انتفاضتنا أكبر من الشّارع، وصوتها أعلى من أصوات حناجرنا، بل هي كلّ صوتٍ لا زال في منزله، أعجزه الفقر والعوز ولا زال يرضخ مجبرًا لصوت زعيمٍ هنا ومصلحةٍ حزبيّةٍ هناك.

أقولها وبكلّ ثقةٍ: لم تنحرف بوصلتنا يومًا؛ إلاّ أنّ محاولات أحزاب السّلطة لركوب الموجة الثّائرة، تسييل أجنداتها السّياسيّة وتصفية حساباتٍ لم تقدر على تصفيتها في المجلس النّيابيّ وفي الحكومة، قد جعلت أزلام السّلطة يتّخذون من الشّارع مسرحًا لتصفية حساباتهم، فيما كانت ساحاتنا الصّوت الأعلى بالحقّ والمحاسبة.

استطاعت الانتفاضة أن تفرض نفسها على أجندات الإعلام وسياساته المرتهنة، خاصّةً تلك الّتي طالت أوكار الفساد ومؤسّساته. فكانت الصّفعات تتوالى مع كلّ وقفةٍ احتجاجيّةٍ، عبر فضح اسم كلّ فاسدٍ وصفقاته المتتابعة. هنا، أعادت الانتفاضة الإلهام إلى بعض الوسائل الإعلاميّة لتكون المكمّل لصوت المحاسبة والثّورة.

بصوتٍ مطلبيٍّ واحدٍ، ننفّذ غاراتنا على مكامن الهدر والفساد في البلد، نحتجّ ونعتصم ونقتحم هذه المؤسّسات حتّى نصل إلى المصارف الّتي أصبحت واعيةً إلى وجود كتلةٍ بشريّةٍ تدرك وجعها وتعلم كيفيّة المطالبة بحقّها!

خريطة طريقٍ

اليوم، نقول أنّ هذه الانتفاضة، الّتي راكمت تجربة وعٍ وبدأت تعمل على تأسيس الوعي التّراكميّ في ذهن النّاس، لا بدّ لها من وضع خريطة طريقٍ بعيدةٍ عن كلّ الأجندات السّياسيّة الضّيّقة. هذه الخريطة تتمثّل بحكومةٍ انتقاليّةٍ، تتضمّن جدول أعمالٍ محدّدٍ ضمن فترةٍ زمنيّةٍ مؤقّتةٍ، تعمل على معالجة الوضع الاقتصاديّ وانتشال البلد من أزمته، كما تعمل على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة وعلى تحقيق انتخاباتٍ نيابيّةٍ مبكّرةٍ وفق قانونٍ انتخابيٍّ مدنيٍّ يستطيع من خلاله أيّ شخص متواجد في الشّارع أن يطمئنّ لسلطةٍ تشريعيٍّ جديدةٍ تعكس تنوّع المجتمع وتتمثّل بسلطةٍ تنفيذيّةٍ تعي حقوق المواطن، لا الطّائفة. بعد 17 تشرين، لم يعد خيار النّزول إلى الشّارع صعبًا، لا بل هو من أبسط الأوراق الّتي سيرفعها المواطن بوجه التّخاذل والتّقاعس في الأداء السّياسيّ والاقتصاديّ.

أمّا الانتفاضة، فهي تغربل نفسها بنفسها. صاحب السّلطة وأزلامه الانتهازيّون سيغادرون السّاحات عندما تتشكّل السّلطات بغياب مطلبهم الوصوليّ. الجماهير الحزبيّة ستترك السّاحات عندما يرضى زعماء الأحزاب بالواقع الجديد. وكذلك المتسلّق، فسينعدم وجوده بانعدام السّلّم الّذي يصبو إليه. وحدها أصوات الشّباب الصّادقة قادرةٌ على عرقلة وصول الوصوليّين والبراغماتيّين. سنبقى نسعى لنكون من الوجه الوطنيّ المعارض، لأنّه، وفي حال تشكّلت الحكومة، فأمامنا الكثير من صولات المحاسبة والمراقبة، وسنعبر…