احتفالٌ في جنازةٍ

احتفالٌ في جنازةٍ

سارة صفي الدّين
لم يكن يعلم أنّ بعد عمرٍ طويلٍ وتعبٍ ستكون كبرته ملعونةً بهذا الشّكل وموته احتفالًا!
هكذا هو، تعوّد أن يضع كرسيّ مكتبه فوق جثث الأبرياء، كلّ جثّةٍ من تلك الّتي راكمها في الحرب الأهليّة كانت في مكانها المناسب بحيث يحافظ كرسيّه على استقراره. يطلّ مكتبه على ساحةٍ كبيرةٍ. بعد انتهاء الحرب الأهليّة، كان يتفرّج على أهالي المفقودين وهم يصرخون من حرقة قلبٍ حتّى يعود إليهم أحبّاؤهم؛ أمّا هو، فبكلّ وقاحةٍ كان يضع كرسيّه على جثث هؤلاء المفقودين. أراد أن يشرح للأهالي كم كان يحتاج كرسيّه للجثث، أراد بشفقةٍ مصطنعةٍ أن يشرح لهم كيف أنّ استقرار الكرسيّ هذا مهمٌّ ليستمرّ استقرارًا البلد، لكنّهم لن يتفهّموه.
نحن كنّا نراه كلّ يومٍ في مكتبه. ننظر إليه من هذه السّاحة. هكذا هو، يحتال ويسرق. كلّ يومٍ نفقد شيئًا من قوتنا، فنراه يلوّح بممتلكاتنا من مكتبه ثمّ يضع ما يسرقه في درج المكتب.
بعد الحرب الأهليّة، مرّ بأزمة عدم استقرارٍ؛ فالجثث صارت تهترئ وتختفي. قرّر أن يحضر غيرها! لكنّه لن يتمكّن من قتل المزيد من النّاس، فعيون الأهالي وعيوننا في تلك السّاحة كانت مترقّبةً. قرّر أن يستعين بجمهوره… أحضرهم، الواحد تلو الآخر، وضع عصبةً على عيونهم وأغلق فمهم وأعلن أنّهم في مهمّةٍ وأنّه عند انتهاء هذه المهمّة سيعطيهم بعضًا ممّا يخبّئه في درج مكتبه. وصار يضع هؤلاء الأحياء تحت كرسيّه. صرنا نشاهد كرسيّه يعلو ويرتفع.
مرّ عمره وعمرنا وهو يرتفع. المسكين نسي أنّ الأحياء عكس الجثث، يحتاجون إلى طعامٍ وشرابٍ. فصوت بطونهم صار عاليًا جدًّا! حين سمع هذه الأصوات، أصابه القلق! لكنّه لن يستعمل ما في درج مكتبه ليحلّ الأزمة، فقد كان بخيلًا وطمّاعًا. لذلك، تحمّل الأصوات. بقي نائمًا على هذه الأصوات حتّى وصل به الزّمن إلى ليلته الملعونة.
بدأ كلّ شيءٍ ليلة خميسٍ، حين قرّرنا “نحن” أن ندوس بأقدامنا على ممتلكاته جميعها. ملأنا السّاحة بالنّار وصرخنا بملء أفواهنا “يسقط يسقط حكم الأزعر”.
سمع أحد الأحياء نداءنا، فنزع عصبته وترك مكانه من تحت الكرسيّ وانضمّ إلينا. ثمّ، انضمّوا إلينا الواحد تلو الآخر. هكذا كبرنا وانخفض مقعد ذلك الهرِم إلى الأرض! صارت أرضنا مليئةً بالعصبات المنزوعة، وأصوات بطوننا كانت أعلى من كلّ شيءٍ. نمنا معًا على تراب أرضنا ونحن نعلم تمامًا أنّ تاريخنا مدفونٌ تحتها في أعماق الأعماق! علمنا أنّ هناك، تحت أقدامنا، عدّة مدنٍ كانت جميعها لنا!
هكذا، امتلأت ساحتنا المسلوبة منّا. فرسمنا على حيطانها وكتبنا. دخلنا إلى تراثنا. رأينا كلّ ما كان يخفيه العجوز الهرم عنّا.
نعم، ليلة الخميس في ١٧ تشرين الأوّل، قرّرنا أن نلتقي بأشباح تلك الجثث الّتي جلس عليها طيلة عمره. ناديناه باسمه وشتمناه! وهو عند كلّ شتيمةٍ، كان ينقص عمر حكمه. وبالمناسبة، صنعنا له تابوتًا يليق به. صرنا نرقص حول التّابوت ونضحك. أمسكنا أيادي بعضنا وصرنا ندور حول تابوته ونغنّي. صنعنا جيشًا من الفرح لنقتل من كان يحزننا ويرفع أصوات بطوننا!
ظنّ العجوز السّارق أنّه سيموت بطلًا، ظنّ أنّ القيود لن تسقط في حياته! وها هو يجلس في مكتبه، يتحسّر على عمره. يسمع أصواتنا من بعيدٍ ونحن نمسح بكرامته الأرض، وها هو بانتظار موته. فنحن أخيرًا، ولأنّ كرسيّه صار على الأرض، سنصل إليه!