ثروة المغتربين… ثورة

ثروة المغتربين… ثورة

تصوير طارق قبلاوي

نور كلزي

“ثروةُ لبنان تكمن في أبنائه المغتربين.” هذا هو الشّعار الّذي ترعرعنا عليه، حتّى أصبحت الهجرة من أكبر طموحاتنا. تعوّدنا على الواقع وقبلنا به: لا يمكنُ لنا، أبناء الوطن، أن نعتاش من تعبنا بين أهلنا. القرار بين خيارين لا ثالث لهما: إمّا الاستزلام لهذا الزعيم أو ذاك، وإمّا الهجرة.
إنّ المنظومة السّياسيّة الاقتصاديّة الّتي حكمتنا على مرِ عقودٍ ثلاثةٍ، قامت على تهجيرنا المُمَنهج. فلم تعتبرنا مواطنين بل مجرّد سلعٍ للتّصدير، مساهمةً في تطوير هذه السّرديّة العاطفيّة الّتي تحاكي العنفوان وتبتعد عن الواقع… “انتشارنا فخرٌ لبلادنا…” لحظةً… كأنّ المفاهيم والأدوار تبدّلت؟ أيُّ مجتمع هذا الّذي “ينتشر” فيه نصفُ كلّ جيلٍ خدمةً للمنظومة الاقتصاديّة؟ أليس من الطّبيعيّ أن تأتي المنظومات السّياسيّة الاقتصاديّة خدمةً للمجتمع؟
إنّ هذه المنظومة تعطّلت أخيرًا… وانتفض اللّبنانيّيون كلّهم وملأوا السّاحات كاسرين حواجز عدّةً… فلقيناهم، نحن المغتربون، للدّعم والمشاركة. منذ اليوم الأوّل، رفضنا الواقع المذلّ الّذي كنّا قد ارتضيناه حتّى الآن، وقُلِبَت المقاييس: أصبحت أكبر طموحاتنا وأحلامنا أن نكون في لبنان وفي السّاحات حيث يُكتب التّاريخ…
في ليلة 17 من تشرين الأوّل، ومع أوّل الاحتجاجات، اجتمع البعض من المغتربين في باريس للتّحضير لمظاهرة يوم الأحد الواقع في 20 تشرين الأوّل. خلال اجتماعهم يوم الجمعة، شكّلنا عبر تطبيق الواتساب مجموعةً تضمّ مغتربين من العالم أجمع. وها نحن اليوم، بعد أكثر من ستّين يومًا، كوّنّا منصّةً تضمّ أكثر من خمسةٍ وأربعين فريقًا تنظيميًّا في أكثر من خمسٍ وأربعين مدينةً في العالم، وفريقًا مهمّته التّنسيق مع المتظاهرين في لبنان والمدن الأخرى.
إنّ وضع المغتربين اللّبنانيّين استثنائيٌّ لجهة الأعداد والنّسب؛ يعتبر لبنان من الدّول الّتي يفوق عدد مواطنيها المغتربين عددَ المقيمين. بالتّالي، فقدرتنا على التّأثير عاليةٌ، لكن لا تجارب تاريخيّة نبني عليها. فكان علينا أن نبتكر السّبل لنكون فعّالين لنحُقّق هدفين متكاملين: مساندة الشّارع في زخمه، والضّغط على المنظومة الطّائفيّة لإرباكها في ضعفها. وعلى أثر ذلك، نُظِّمَت مظاهراتٌ كبيرةٌ في كلّ بلدان الانتشار، منها ما كان أمام السّفارات اللّبنانيّة للضّغط على السّلطة وممثّليها في الخارج. كما ودعم المغتربون التّظاهرات اللّبنانيّة من خلال التّبرّعات الماليّة، وإرسال المساعدات للمتضرّرين وعوائل الشّهداء. وفي يوم الاستقلال، زار عددٌ منهم لبنان للمشاركة بالعرض المدنيّ.
على الصّعيد الإعلاميّ، كان لنا دورٌ في تسليط الضّوء على حقيقة ما يجري في لبنان عبر مداخلاتٍ إعلاميّةٍ لكشف أكاذيب السّلطة بمكوّناتها، بما في ذلك، ما يمثّله ائتلاف زعماء الطّوائف عبر إعلامهم.
تشكّلت أيضًا لجانٌ لتحديد الأولويّات في هذه الأزمة وتقديم اقتراحاتٍ وحلولٍ وإعداد مشاريع قوانين عديدةٍ من بينها القوانين الانتخابيّة الّتي تتوافق مع واقعنا وتنقل الطّرح إلى الدّولة المدنيّة بعد انتهاء الأزمة الماليّة.
لا كلل ولا ملل، جاهزون وسنستمرّ في التّظاهر والاحتجاج بوجه سلطةٍ ردّدت على مدى عقودٍ أنّ ثروة لبنان تكمن في أبنائه المغتربين. نعم، نحن المغتربون، ثروةٌ من ثروات هذه الثّورة.