ثوّار كفررمّان والنّبطيّة يقدّمون مثالًا وطنيًّا راقيًا في الاحتجاج والصّمود

ثوّار كفررمّان والنّبطيّة يقدّمون مثالًا وطنيًّا راقيًا في الاحتجاج والصّمود

رسم أمل كعوش

كامل جابر
للمرّة الأولى منذ سنواتٍ، قد تساوي أعمارهم الشّابّة. استعاد شبّان النّبطيّة وصباياها شوارعها وساحاتها وهتفوا بملء حناجرهم الجريئة للثّورة “ثورة ثورة ثورة”، وضدّ الفساد المستشري، وللشّعب الّذي يريد إسقاط النّظام الفاسد: “كلّهم يعني كلّهم”. صدحت أصواتهم للحرية والكرامة، من دون أدنى غطاء سياسي أو حزبي أو ديني، بعدما كانت ممنوعةً عليهم تحت عناوين مختلفةٍ، ومصادرةٍ من قوًى مختلفةٍ…
ما لم يقله أبناء النّبطيّة والجوار على مختلف أعمارهم، لا سيّما الشّبابّ منهم، والمراهقون، قالته أجسادهم الّتي كانت محبوسةً مرّةً بهالاتٍ حزبيةٍ أو سياسيّةٍ (حزب الله وحركة أمل)، ومرّاتٍ بمحرّماتٍ دينيّةٍ وعناوين تشرّع كبتها. وكانت شوارعهم وساحاتهم وأعمدة الكهرباء ومنشآت الدّولة كلّها مصادرةً من قوى فرضت عليهم قراراتها وعيّنت نفسها وليّة أمرهم، إن كان بالسّياسة والتّسلّط أو من خلال وضع اليد على البلديّات وغيرها من المؤسّسات الخدماتيّة، الّتي باتت تقفل طرقاتها وتعطّل دورة الحياة متى شاءت أو قرّرت، وتمنع عنهم الفرح والاحتفال والمطالبة بما يجول في نفوسهم الطّريّة النّقيّة…
وها هم يرقصون، يتمايلون، يغنّون، يهتفون، يتظاهرون ويتمّردون على الفساد والكبت والمحسوبيّات والظّلم وغياب فرص العمل وأشياء كثيرٍة قالوها تحت راية الوطن، العلم اللّبنانيّ فقط لا غير، وردّدوها مع أغنياتهم الوطنيّة في فضائهم المطلق الرّحب، من ساحةٍ إلى ساحةٍ ومن شارعٍ إلى شارعٍ، بحراكٍ راقٍ مؤدّبٍ منظّمٍ، لا يحتاج إلى سلطاتٍ عسكريّةٍ أو حزبيّةٍ…
لم ترق لمن قبضوا طويلًا على مقدّرات الحياة والدّولة على طول مساحة الجنوب هذه الانتفاضة الّتي خرج إليها الأحرار من بيوت الكرامة والعزّة والمقاومة، ليحتجّوا على كلّ ما لحق بالنّاس من نهبٍ للقمة عيشهم وحقّهم في الوظيفة واختيار بلدهم صورةً لمستقبلهم. قرار اللّجوء إلى العنف مع المحتجّين أتى سريعًا، مرّةً بصورة شرطة بلديّةٍ (النّبطيّة) ومرّاتٍ تحت عنوان مناصرين (حركة أمل وحزب الله) ممّن هاجموا بعد أقلّ من أسبوعٍ على انطلاقة الانتفاضة الشّعبيّة “حراك النّبطيّة” بتعاونٍ وثيقٍ بين شرطة بلديّة النّبطيّة وأكثر من مئة محزّبٍ من “حزب الله” وأعدادٍ كثيرةٍ من عناصر حركة أمل. وقد نجا الشّابّ هادي نور الدّين بأعجوبةٍ بعدما كان مهدّدًا بالشّلل جرّاء ما تلقّاه من ضربٍ مبرحٍ على رأسه ورقبته، فضلًا عن وقوع ما لا يقلّ عن 15 إصابةً في صفوف المتظاهرين.
ليلًا، حاولت جرّافةٌ تابعةٌ لحركة أمل، مع نحو خمسين عنصرًا، مهاجمة حراك دوّار كفررّمان، بيد أنّ الرّدّ جاء سريعًا: “إنّ من يحاول أن يعتدي على تجمّع ثوّار دوّار كفررمان سيتلقّى الصّاع صاعين.” فتدخّلت القوى الأمنيّة فورًا وحالت دون وقوع المواجهة.
في السّابع عشر من كانون الأوّل، صدر القرار بإخلاء ساحات الجنوب من الثّوّار والمحتجّين، فاعتدى “محزّبو” حركة أمل على الحراك في صيدا وفي النّبطيّة، إذ أقدموا على تكسير خيمة المحتجّين في النّبطيّة وتلف محتوياتها من ألبسةٍ وثيابٍ كانت تجمع لتوزّع على المحتاجين. وفي اللّيلة التّالية، لجأ المهاجمون إلى حرق أنقاض الخيمة بعدما فشلوا في الاعتداء على “ثوّار” كفررمّان والجوار، حين حاول أكثر من مئة محزّبٍ مهاجمة خيمة “الدّوّار”، فوقف الجيش سدًّا بوجههم مرّاتٍ ومرّاتٍ، إلى أن قرّروا مهاجمة المحتجّين بالعصي والحجارة، فتلقّوا الصّاع صاعين قبل أن تتدخّل قيادة حركة أمل وتفرّقهم بعد نحو ثلاث ساعاتٍ من المواجهة.
شكّل ثوّار النّبطيّة وكفررمّان، من خلال المسيرات والنّدوات الثّقافيّة والنّشاطات الفنّيّة، حالةً ثوريّةً راقيةً عكست مستوًى حضاريًّا من الثّقافة والحوار. وصمدوا أمام محاولة إقصائها أو إجهاضها أو محاولات التّشكيك والتّرهيب المعنويّ والجسديّ، وإطلاق الشّائعات والرّسائل الكاذبة. إنّ صمود لاالثّوّار في منطقة النّبطيّة، تواكبه قناعاتٌ تامّةٌ بأن التّغيير قادمٌ لا محالة، وآن الأوان لمحاسبة هذه الطّبقة الفاسدة الّتي نهبت المال العامّ والأملاك العامّة وحتّى الخاصّة، ووضعت يدها على مقدّرات البلد الوظيفيّة والاقتصاديّة وأفسدت الإدارة وأوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.