اللّا-انتماء، الآن وهنا، لهويّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ

اللّا-انتماء، الآن وهنا، لهويّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ

تصوير بدر صفدي

د. أحمد الحلاني

منذ بدء الحراك الشّعبيّ في 17 تشرين الأوّل، استشعر اللّبنانيّون، وبخاصّةٍ أولئك الّذين نزلوا إلى الشّوارع والسّاحات، أنّ روحًا وطنيّةً جديدةً تسري بينهم. الكثير من هؤلاء المشاركين كانوا من غير المنتسبين حزبيًّا، من قبل. ولذا، اعتبروا تدفّقهم إلى السّاحات أمرًا طبيعيًّا تقتضيه القناعة والرّغبة بالخلاص من المنظومة السّياسيّة الّتي أنهكت البلد وأقعدت اللّبنانيّين عن بناء الدّولة المدنيّة العادلة. كما نزل إلى السّاحات أناسٌ كانوا على ارتباطٍ بالأحزاب السّياسيّة الحاكمة أو من المنتسبين إليها، ولكنّهم تحرّروا من قيود هذا الانتساب ونزعوا الغشاوة الّتي كانت تحجب عنهم رؤية الواقع بعريه وفجاجته؛ فنزلوا ليختبروا فعلًا سياسيًّا ما اعتادوه من قبل.
وقد اختلط النّاس في السّاحات، وراكم الجميع وعيًا سياسيًّا أسفر عن إصرارٍ على الحضور والمواجهة، وتنويعٍ وابتكارٍ في التّحرّكات والخطوات، والهتاف الدّائم لسقوط المنظومة السّياسيّة الحاكمة بأكملها، الّتي تبيّن أنّها تعيش على المهدّئات وأجهزة الإنعاش. وكان من اللّافت، أن يستشعر المنتفضون أنّ الأحزاب الّتي يرأسها أنصاف الآلهة هي هشّةٌ من الدّاخل، ولا سيّما في فترة التّخبّط السّياسيّ الموصوف الّتي مرّت بها السّلطة في الأيّام الأولى من الحراك، إذ ترجمت هذه الهشاشة في اللّجوء إلى العنف المفرط، في بعض الأحيان، لردع تسرّب المنتسبين وانقلاب القاعدة. هذا الانعتاق من الانتماء السّياسيّ المشبوك دومًا في لبنان بالانتماء الطّائفيّ، سمح للّبنانيّين أن يلتقوا ويتحاوروا بعيدًا عن الأحكام المسبقة والتّوجّس الّذي كان يخيّم على الدّيناميكيّة المجتمعيّة المجمّدة بفعل خطوط التّماس الوهميّة المنصوبة بين النّاس.
وفي حين كانت الرّوح الوطنيّة تختمر في ساحات الاعتصام، كان أبناء الجماعات المغلقة وشبه المغلقة من أحزابٍ طائفيّةٍ، يربضون على فقرهم ويسكتون عن حقّهم كُرمى عيون الزّعيم. وبعضهم غالى في تقديم فروض الولاء ونزل إلى الشّارع ليهتف للطّائفة والحزب والزّعيم المفدّى (كما شاهدنا في الأيّام القليلة الماضية!)، متعرّضًا بالتّكسير والضّرب للمنتفضين ولكلّ ما وقعت عليه عيناه اللّتان لا تريان إلّا ما يريهما الزّعيم. وكان من آثار هذا الالتزام الانبطاحيّ في الأحزاب القَبَليّة، أن اعتبر هؤلاء أنّ الانتفاضة هي الّتي تسبّبت بالأزمة الاقتصاديّة/المعيشيّة الّتي تمرّ بها البلاد، متناسين أو غافلين عن أنّ سياسة إفقارٍ ممنهجةٍ ومحاصصةٍ مقيتةٍ قد نفّذتها هذه السّلطة على مدى ثلاث عقودٍ من قبل البعض، ونصف تلك المدّة من قبل البعض الآخر.
مَثلُ هؤلاء في هذا، كمثل أهل الكهف الأفلاطونيّ الّذين درجوا منذ نعومة أظفارهم على رؤية الظّلال على حائط الكهف وظنّوا أنّ هذه الأشكال هي الحقيقة، ولكن عندما خرج من بينهم من أدار وجهه عن الحائط ونظر إلى باب الكهف وجابه النّور، وعاد ليقرأ عليهم سفر الواقع كما هو، أنكروا عليه وسخروا منه وكادوا يجهزون عليه. هكذا كانت حال هؤلاء مع الانتفاضة الشّعبيّة الّتي جرّدت الواقع من الزّخارف الكاذبة وألبسه إيّاها الزّعيم وزبانيّته.
ولكنّ 17 تشرين، أظهر للّناس من الفريقين (المنتفضين والموالين)، أنّ الزّعيم المفوّه لا يحار جوابًا أمام الأزمة الّتي جنتها يداه، والحزب القويّ أضعف من أن يحتمل بعض الأصوات المعترضة على تردّي المعيشة والفساد، والطّائفة الّتي لطالما صُوّرت على أنّها العتبة الّتي يمكن أن يعبر منها المرء إلى المواطنة أصبحت عقبةً وحائطًا صدًّا بدلًا من أن تكون ممرًّا ومدخلًا إلى فضاء المواطنة كما نُظّر لذلك كثيرًا من قبل الطّائفيّين. وما إن وصل نداء النُّبْه، حتّى لبّى اللّبنانيّون بحسٍّ وطنيٍّ عالٍ ونزلوا إلى الشّوارع والسّاحات ورسموا لوحةً وطنيّةً جامعةً بعد أن انتفضوا على مسرحيّةٍ لا دور لهم فيها إلّا التّصفيق لعاشقٍ نفسه (أي الزّعيم). والانتفاض لغةً، يحمل معاني التّيقّظ والنّشاط والتحرّك، كما يحمل معاني الحياة فنقول: انتفض الكرم أي نضُر ورقه. وهذا تحديدًا ما حصل في ساحات الاعتصام، إذ أزهرت هذه السّاحات واخضرّت دروبها فاتحةً الأمل لغدٍ جديدٍ. فما بعد 17 تشرين ليس كما قبله.
وفي كلّ هذا، كان لسان حال المنتفضين أمام إخوتهم في الوطن “نحن نرى بعمقٍ، نحن نرى الكثير” كما قال بطل رواية الجحيم للكاتب الفرنسيّ هنري باربوس، وهذا ما دفعهم إلى نبذ أحزابهم وتقديم وطنيّتهم على العناصر الأخرى في هويّتهم.
نقول في هذه العجالة، أنّه لمن الدّقّة والصّواب أن نقول أنّنا في الشّرق استوردنا الدّولة الحديثة من أوروبا ولم نكابد مراحل تشكّلها التّاريخيّة. وكذا فعلنا مع الأحزاب السّياسيّة الّتي، وإن بدأت كتجمّع أفرادٍ يعتنقون الأفكار نفسها بحسب التّعريف الكلاسيكيّ، فإنّها ما فتئت أن تحوّلت بعيد تشكّلها إلى طبقةٍ جديدةٍ من العصبيّة تضاف إلى المجتمع، فتزيد من تأزّمه. ولبنان لم يكن بِدْعًا بين إخوته العرب؛ فهو استورد الأحزاب السّياسيّة، مع شعاراتها في بعض الأحيان، ولكنّها سرعان ما تحوّلت إلى عصبيّاتٍ وأطرٍ طائفيّةٍ ومذهبيّةٍ ضيّقةٍ. وفي لبنان اليوم، لم تنفع حربٌ أهليّةٌ مؤلمةٌ جدًّا ولا ثلاثة عقودٍ من السّلام المجتمعيّ الهشّ، أن تخفّف من حدّة الانتماء السّياسيّ/الطّائفيّ. ولكنّ 17 تشرين وجّه ضربةً قويّةً إلى هذا البناء المتداعي الّذي ظاهره الصّلابة وباطنه الخواء.
نعم، قالها اللّبنانيّون، أو بعضهم (وهل يبدأ التّغيير إلّا بالبعض اليسير من الكثرة؟)، إنّ اللّا-انتماء إلى هذه الأحزاب الّتي ضيّعت البلاد وأفقرت النّاس هو سبيل الخلاص ودرب المخاض نحو بناء لبنان الغد. وهذه ليست دعوةً، بأيّ شكلٍ، إلى اللّامبالاة السّياسيّة (political apathy) بل على العكس من ذلك. نقول أنّ اللّا-انتماء (nonpartisanism) في لبنان الآن، وفي خضمّ هذه الأزمة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تعصف بالبلاد، هو خلاصٌ من اللّامبالاة الّتي يتّسم بها المنتمون إلى الأحزاب السّياسيّة القائمة الّذين خدّرتهم الأيديولوجيا. ونذهب أبعد من ذلك للقول أنّ اللّا-انتماء اليوم هو البذرة الّتي يمكن أن نزرعها لتثمر غدًا أحزابًا سياسيّةً بالمعنى الدّقيق للكلمة، بعيدًا عن الاصطفافات الطّائفيّة والعصبيّات القَبَليّة. وهذا ما يمكن أن يعوّل عليه لبناء هويّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ.
أحمد الحلّاني