تشي جيڤارا حرامي

تشي جيڤارا حرامي

تصوير طارق قبلاوي

 محمد مايكل

“هناك ناس – يشتموننا – لأنّنا نقوم بالتّنمية. هناك ناسٌ لا يعجبهم أن نقوم بالتّنمية، فهم – يريدوننا – أن نبقى مكرسحين حتّى يشحذوا علينا حينًا باسم اليسار وحينًا باسم اليمين وحينًا باسم الدّين.” -الأستاذ نبيه برّي، في ١٠ آب ١٩٩٦- المرجع: “من روائع أقوال الرّئيس نبيه برّي (1980 – 1998) – غسّان همداني.”
طبعًا من غير المتوقّع من جماعة “يلّا فرجي عمّو عالهبّورة” و”بعبصلو لعمّو”، أن تتقبّل الشّتم بهذه السّهولة. ربّما لأنّها ليست شتيمةً فحسب. ربّما لأنّ من أثاره الشّتم معتادٌ أن يكون هو من يَشتُم. الأمرالأكيد، أنّ الشّتم لم يكن سببه أنّ رئيس المجلس النّيابيّ يقوم بالتّنمية كما يقول. الحديث هنا بالطّبع عمّا حصل على دوّار كفررمّان؛ معركة الحجارة: مجموعاتٌ حزبيّةٌ قدمت من عدّة قرى مجاورةٍ تهتف غاضبةً بسبب الغلاء. دعابةٌ سيّئةٌ هذه، تهتف بسبب شتم رئيسهم وحاشيته. أقف داخل الخيمة، وفجأةً أسمع صوت ارتطام الحجارة بقطعة النّايلون الّتي تغطّي السّقف. وابل. بعيدًا عن الإصابات الّتي وقعت، وبعيدًا عن العاطفة، لم تكن الحجارة موجّهةً علينا. كيف ذلك؟ يقول أحد الفلاسفة بأنّ الهدف الحقيقيّ وراء أقبية التّعذيب ليس تعذيب من هم داخل السّجن، بل إثارة الرّعب خارج السّجن. هو الخوف الّذي تحاول السّلطة بثّه من خلال الحجارة. إنّه الخوف الّذي يعتري أحزاب المنطقة. الرّسالة واضحةٌ: هذا مصير كلّ من يحاول الانضمام إلى الحراك. يتراشقون عبرنا. هم أنفسهم أصحاب مقولة “من يُفكّر bla bla bla”! “نحن سبب الأزمة” يقول لهم أسيادهم. هناك جملةٌ أسمعها أينما ذهبت: “لماذا يقبل الجميع شتم الله ويزعجه شتم زعيمه؟! غريبٌ هذا الأمر!”. ليس فعلًا! إنّه العهد الّذي قلب المعادلة: نعبد الزّعيم ونستخدم الدّين. نعبد المال ونستخدم الطّائفة. المال – الحلال – الّذي يمكنه شراء أيّ شيءٍ: الذّهب، العقارات، السّيّارات، القصور، الإدارات العامّة، العقول، الهتافات، العساكر، الأسلحة، مقاعد في الصّفّ الأوّل في دور العبادة… حتّى أنّه يمكنك شراء سويت في الجنّة، أو شاطئ صور إن اضطرّ الأمر.
مارتن لوثر
لا أتذكّر أين قرأت قصّة “مارتن لوثر”، الرّاهب الألمانيّ، مؤسّس اللّوثريّة، حين كانت الكنيسة/الإكليروس/العهد وقتها (القرن الخامس عشر) تبيع صكوك الغفران؛ حين كان بإمكانك شراء قطعةٍ في الجنّة مقابل المال. الكثير من المال والقليل من الإيمان. يدخل لوثر الكنيسة وبحوزته كيسٌ من الذّهب ويسأل عن إمكانيّة شراء “جهنّم” هذه المرّة. يسأله أحدهم بدهشةٍ: “لماذا يريد أيّ أحد شراء النّار؟!” يردّ لوثر: “ألستم الموكّلين ببيع وشراء كلّ شيءٍ في الأعلى؟! أريد جهنّم، كلّها، مهما كلّف الأمر.” يخرج لوثر منتصرًا، وبحوزته صكّ جهنّم، سند أخضر من الدّوائر العقاريّة (كم هو جميلٌ لونه بالمناسبة). في اليوم التّالي، يصدُر الإعلان الآتي: “توقّفوا عن شراء صكوك الغفران، لقد اشتريت جهنّم ولن أُدخِل أحدًا إليها.”
إنّها الحرّيّة الّتي لا زلنا ندفع ثمنها منذ مئات السّنين. ندفع الثّمن ونحن أصحاب الأرض. نحن الجنّة وجهنّم. نحن القيامة والسّاعة والمشيئة. نحن القرار. نحن الثّورة بوجه فساد غيڤارا وزوجته وأموالهم وعقاراتها وأوتوستراداته/ها (لا مكان للذّكوريّة هنا) وقصوره وممتلكاته وصوره (الّتي تملأ الجنوب) ولافتاته وراياته وزعرانه ورفاقه في الحزب الشّيوعيّ. يا للسّخرية! الجميع يعلم “غيفارا” هذا. إنّه الحرامي. وقد حان الوقت للنّيل منه، هذا دورنا. كما قال السّيّد موسى الصّدر: “لا أحد يستطيع أن يُحدِّد لي دوري، دوري محدّدٌ من الله.”