أعدائي

أعدائي

تصوير نور عقيقي

جاد نصرالله
انتفضتُ باكرًا. قبل 17 تشرين الأوّل بأربعة أشهرٍ. ففي شهر حزيران الماضي، رحّبتُ بمرض السّرطان الّذي زارني مرّةً جديدةً بعد غيابٍ لثلاث سنواتٍ. هذه المرّة أقوى من قبل. وطبعًا بكلفة علاجٍ مرتفعةٍ، ليس من السّهل على أيّ مواطنٍ يعيش فوق الأراضي اللّبنانية تأمينها. كلفة العلاج تلك وكيفيّة جمعها هما ما دفعاني لأن أتحرّك منفردًا على طريقتي وبأسلوبٍ عنيفٍ لم يوفّر منصبًا رفيعًا أو غليظًا. “وماذا بقي لي كي أخسره!” العبارة الّتي أصبحت لازمةً يردّدها الجميع بعد أن خسروا كلّ شيءٍ فعليًّا. وهل كان هناك ما نملكه أصلًا، كحقّنا في التّعليم والاستشفاء وكلّ أمور الحياة الدّنيا الّتي ربّما تجعل العيش كريمًا؟!
انتسبت إلى نقابة المهندسين في لبنان قبل عشرة أعوامٍ. ذلك الانتساب الّذي عجز عن التّحوّل انتماءً فعليًّا. والعجز سببه الصّفة الّتي انتحلها تجمّع المحزّبين وجنود السّاسة بسيطرتهم وتغليبهم المنفعة الحزبيّة، إذ طمسوا الدّور الحقيقيّ الّذي تطّلع عبره النّقابات نحو العالم منذ نشوئها لتتحوّل إلى مؤسسةٍ إضافيّةٍ يعشّش داخلها صراع السّلطة بأشكاله المتعدّدة. نقابتي تملك صندوقًا تعاضديًّا يجعلها الأغنى في لبنان ويوفّر تأمينًا صحّيًّا باشتراكاتٍ مقبولةٍ، ما يجعلك تمضي أيّامك مطمئنًّا هانئ البال إلى أن تقع الواقعة. وهي ليست في ذلك وحيدةً، تشترك معها في الأساس وزارة الصّحّة والمستشفيات. فالوزارة، لا يمكنك أن تَلِجها إلّا باتّصالٍ مُسبقٍ كواسطةٍ لتأمين لقاءٍ مع مستشارٍ. مستشارون لا علم لنا كيف تمّ تعيينهم، وفق أيّة معايير كفاءةٍ تمّ اختيارهم وبماذا يشيرون على الوزير المؤتمن على صحّة شعبٍ بأكمله. يختالون في أروقة مؤسّسةٍ رسميّةٍ وأهالي المرضى يهرولون ورائهم بالمعنى الحرفيّ للكلمة، ليتسوّلوا حقّهم وحقّ أحبّائهم في الشّفاء. ونادرًا ما يفوزون. المستشفيات بفواتير استشفائها المضخّمة وانعدام الحسّ الإنسانيّ لدى أصحابها والقيّمين عليها. فبحجّة الخدمات الطّبّيّة المتطوّرة ترتفع كلفة العلاجات لمستوًى يضعك أمام خيارين: المال أو الموت! مستشفياتٌ ممنوعٌ على أحدٍ التّدقيق في حساباتها والسّؤال عن حقيقة العلاقة الّتي تجمعها بوزارة الصّحّة والضّمان الاجتماعيّ وشركات الأدوية والسّماسرة والعصابات الّتي يحوم طيفها في المكان.
كنت قد استنفذت المئة ألف دولارٍ خلال شهرين، وهي قيمة التّغطية السّنويّة الّتي تقدّمها شركة التّأمين عبر صندوق نقابة المهندسين. بقيت أمامي مرحلةٌ أخيرةٌ من العلاج وخمسون ألفًا أخرى؛ ولكن كيف السّبيل؟ لم يكن الأمر صعبًا جدًّا بقدر ما كان مقرفًا، إذ تشعر في لحظةٍ بضعفك الحقيقيّ كإنسانٍ وعجزك أمام منظومة المال والفساد. وانتفضتُ! فليس لديّ ما أخسره. على العكس، كان عليّ أن أربح حقّ الكثيرين الطّبيعيّ في الاستشفاء بغضّ النّظر عن قوّة المرض وفرص النّجاة. بقليلٍ من الصّراخ ورفع الصّوت على منصّات التّواصل وتسمية الأشياء بأسماء مجرميها، استطعت مواجهة المعنيّين مباشرةً وتوفير نصف المبلغ. أمّا المبلغ المتبقّي، فقد تمّ تأمينه عبر حملة تبرّعٍ جمعت المبلغ المطلوب بأقلّ من أربعٍ وعشرين ساعةٍ. هذا الرّقم القياسيّ، وإن دلّ على شيءٍ، فعلى قوّة النّاس الّذين احتشدوا ليقوموا مكان الدّولة اللّبنانيّة ممثّلةً بوزارة الصّحّة العامّة ونقابة المهندسين الّتي أنتمي إليها (وَعَدَت بإعادة قسمٍ من المبلغ) والمستشفى. “ولكن، هل علينا كأفرادٍ ومجموعاتٍ أن نلاقي بعضنا دائمًا ونجتمع بمبادراتٍ فرديّةٍ وجماعيّةٍ، تقودنا غرائزنا الإنسانيّة، لِنقوم مكان هذا النّظام وسلطته!
أصعب ما في رحلة العلاج المؤلمة، كان الصّراع مع أورامٍ ثلاثةٍ: الوزارة، المستشفى والنّقابة. في العادة، هذه المكوّنات الثّلاثة يفترض بها أن تضعني بمرتبة مواطنٍ من درجةٍ أولى. أضف إليها شبكة علاقاتٍ لا بأس بها، نسجتها في المجتمع. إلّا أنّ كلّ ذلك لم يسعفني، حتّى السّاعة، في إقفال ملفّي الطّبّيّ ماليًّا. فتخيّلوا معي مواطنًا بسيطًا، لم تتوفّر له تلك العناصر وأصابه المرض. الشّعب يستطيع!