أين الإعلام المعارض؟

أين الإعلام المعارض؟

جاد شحرور

يتحكّم إعلام الطّوائف السّياسيّة بمعلومات الجمهور عبر الصّحف والرّاديو والتّلفزيون والمواقع الالكترونيّة، ويتغلغل في كثيرٍ من الأحيان داخل صفحات مواقع التّواصل الاجتماعيّ. لم تتوفّر فرصةٌ واحدةٌ ليكون في لبنان إعلامٌ معارضٌ ينقل الصّورة كما هي. أخبار الثّامنة مساءً هي أخبار الطّوائف؛ تستخدم مصطلحاتٍ مثل: “الثّنائيّ الشّيعيّ” بدلًا من حركة أمل وحزب الله، و”الشّارع السّنّيّ” بدلًا من تيّار المستقبل، و”حقوق المسيحيّين” بدلًا من حقوق التّيّار الوطنيّ الحرّ والقوّات والمردة”. هل من فرصةٍ لإعلامٍ مستقلٍّ؟

غالبيّة وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمكتوبة هي ملك عائلاتٍ سياسيّةٍ ورجال أعمالٍ، وأهمّها: الضّاهر (LBCI)، خيّاط (NEW TV)، المرّ (MTV)، برّي (NBN)، سلام (صحيفة اللّواء)، ميقاتي (Lebanon 24)، عون (OTV)، فرعون وإدّه (صحيفة لوريون لو جور)، تويني (صحيفة النّهار)، الحريري (صحيفة دايلي ستار وسابقًا المستقبل جريدةً وتلفزيونًا)؛ بالإضافة إلى مؤسّساتٍ إعلاميّةٍ مرتبطةٍ مباشرةً بالأحزاب، مثل “إذاعة لبنان الحرّ” للقوّات اللّبنانيّة، وإذاعة “صوت الشّعب” للحزب الشّيوعيّ اللّبنانيّ، و”جريدة البناء” للحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ، وقناة “المنار” لـ”حزب الله”.
خلقت غالبيّة الأحزاب السّياسيّة منظومتها الإعلاميّة، وهي مديرة التّحرير والرّقيب الأوّل على ما يُكتب ويُنشر ويُمنع من النّشر.

كما تأتي السّلطة القمعيّة كأبرز الأسباب في انعدام وجود إعلامٍ معارضٍ. شهد لبنان، خلال ثلاث سنواتٍ، ما يزيد عن ٣٧٠ انتهاكًا إعلاميًّا وثقافيًّا بحسب ما رصدته مؤسّسة سمير قصير. وهنا، نتكلّم عن تحقيقٍ مع صحافيّين، احتجاز ناشطين، اعتقالاتٍ تعسّفيّةٍ ومنع أفلامٍ. كلّ صحافيٍّ غير محميٍّ بدائرةٍ سياسيّةٍ معيّنةٍ، يُعتبر في دائرة الخطر، في اللّحظة الّتي يكتب أو ينشر فيها خارج مزاج السّلطة؛ على الأقلّ هذا ما حصل مع الزّميل فداء عيتاني، الّذي استُدعي إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتيّة وحماية الملكيّة الفكريّة، بسبب منشوراتٍ على “فيسبوك” وتدويناتٍ صحفيّةٍ، وتطوّر ملفّ عيتاني سياسيًّا ليجمع ١٣ دعوى قضائيّةً وإرغامه قسرًا على اللّجوء السّياسيّ إلى بريطانيا، بعد المضايقات الّتي تعرّض لها من قبل الأحزاب بشكلٍ متوازٍ مع غراماتٍ ماليّةٍ وقرارات الحبس بحقّه…
وبحسب تقرير منظّمة “مراسلون بلا حدود”، تراجع لبنان على فهرس الحرّيّات ٣ مرتباتٍ على الأقلّ من بين ١٨٠ دولةً، إذ كان في المرتبة ٩٨ في العام ٢٠١٦ وهو اليوم في المرتبة ١٠١.

في آليّة القمع، هناك تجاوزاتٌ قانونيّةٌ، أهمّها إجبار الصّحافيّ/الإعلاميّ أو النّاشط أو الفنّان المعتقل على تسليم بياناته على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، وخصوصًا فيسبوك وتويتر، بالإضافة إلى إجبار المحتجز على توقيع تعهد بعدم التّعرّض للجهة الّتي انتقدها! الأمران غير مذكورين في قانون العقوبات اللّبنانيّ. بالتّالي، فإنّ مثل هذه الإجراءات تؤكّد البلطجة الأمنيّة والتّعنّت والتّعسّف في تطبيق القوانين المجتزأة والبالية؛ وبناءً على ما ذكر، تكون الدّولة قد استوفت شروط الدّولة البوليسيّة، خصوصًا وأنّ البلد شهد عمليّات حجزٍ تتخطّى الفترة القانونيّة للتّحقيق الّتي تتراوح بين يومين وأربعة أيّامٍ، لكنّها امتدّت لأكثر من عشرة أيّامٍ.

وليترسّخ القمع الإعلاميّ في عقولنا، شهدنا خلال أيّام الثّورة، أداء تلفزيون لبنان (التّلفزيون الرّسميّ) الّذي امتنع عن نقل صورة الشّارع، لا بل أكثر من ذلك! لم يحرّك التّلفاز شاشته نحو الشّارع إلّا في اليوم الّذي تجمهر خلاله عددٌ من مناصري التّيّار الوطنيّ الحرّ أمام قصر بعبدا… وكأنّه ينقص اللّبنانييّن فرعٌ آخر لتلفزيون التّيّار الوطنيّ الحرّ، OTV. مع العلم أنّ وزير الإعلام لم يتردّد في إقالة مديرة الوكالة الوطنيّة للإعلام لور سليمان، إثر تغطية الوكالة أخبار الثّورة. لكنّ ردّ الشّارع على هذه السّياسات كان تقنيًّا وسريعًا وديناميكيًّا، إذ تحوّلت جميع صفحات مستخدمي مواقع التّواصل الاجتماعيّ لصفحاتٍ إخباريّةٍ تنقل كلّ أحداث الشّارع بوضوحٍ بعيدًا من الرّسائل المحكومة بسياسات التّحرير.

بعيدًا عن القمع، هناك خطأٌ أساسٌ في بنية الإعلام كمهنةٍ من ناحية التّقصير في خلق نموذج عملٍ وخطّة التّسويق؛ إذ أنّ الإعلام يُعتبر صناعةً مثل السّينما وغيرها من المجالات الّتي تطلب خطّةً تجاريّةً وتسويقيّةً لإنتاج المال، وأهمّيّة هذا الموضوع تساوي أهمّيّة المحتوى الجذّاب والسّريع والواضح. إن لم تكن هناك استراتيجيّةٌ ماليّةٌ، لن يستطيع الإعلام التّحرّر من المال السّياسيّ. وبالتّالي، لن يكون هناك إعلامٌ مستقلٌّ ولا معارض.