الانتفاضة وحسّان دياب

الانتفاضة وحسّان دياب

رسم أحمد عامر

 جاد غصن

يكثر الكلام، لدى بعض مؤيّدي الانتفاضة الشّعبيّة، عمّا إذا كان من الأفضل إعطاء حسّان دياب (المكلّف حديثًا رئاسة الحكومة) فرصةً للتّأليف قبل إطلاق أيّ حكمٍ عليه قد يصفه هؤلاء بالمسبق.
أيّ نقاش من هذا النّوع لا يمكن أن يكون مصدره إلّا نقطة ضعف هذه الانتفاضة الأساس: فقدان معظم المجموعات الدّافعة بهذه الانتفاضة لبرنامجٍ سياسيٍّ واضحٍ عن المرحلة المقبلة.
هنا، لا بدّ من التّأكيد على عدم جواز التّعميم؛ فبعض هذه المجموعات اجتهدت وقدّمت رؤًى وخططًا. في الوقت عينه، لم يستطع حتّى السّاعة أيٌّ منها فرض حدٍّ أدنى من موازين القوى في الشّارع، يعطي شرعيّةً لهذه الرّؤى أو الخطط لتصبح المعيار المعتمد في تحديد الموقف من أيّ مبادرةٍ تقوم بها السّلطة.
من ناحيةٍ أخرى، لا بدّ من القول أنّ المجموعات الأخرى لم تقدّم برنامجًا سياسيًّا واضحًا بالأصل.
لماذا التّركيز على هذه النّقطة تحديدًا؟
لسببين أساسييّن:
الأوّل، أنّ طبيعة المرحلة السّياسيّة الّتي نحن فيها، تفرض الحاجة لرؤيةٍ واضحةٍ وخطواتٍ محدّدةٍ للتّنفيذ من قبل أيّة حكومةٍ قادمةٍ، لأنّ معالجة الانهيار الماليّ/الاقتصاديّ يوجب، سباقًا مع الوقت، بما لا يوفّر ترف البحث عن حلولٍ مؤجّلةٍ.
الثّاني، في حال لم تنتج عن المجموعات السّياسيّة النّاشطة باسم الانتفاضة الشّعبيّة أيّة رؤية سياسيّة تتناسب مع طبيعة التّحدّيات الّتي تفرضها طبيعة الأزمة الّتي نحن فيها، ستبقى هذه المجموعات رهينة الشّارع الغاضب، عوض أن تصبح قادرةً على تأطير هذا الغضب ضمن حركةٍ سياسيّةٍ قادرةٍ على المبادرة والدّفع باتّجاه فرض جدول الأعمال الّذي يمثّل هموم الشّارع هذا وأولويّاته.
من هنا، لا بدّ من أن تصبح الأولويّة لصياغة هذه البرامج حتّى تصبح المعيار لأيّ التقاءٍ سياسيٍّ أو خصامٍ.
من جهةٍ أخرى، العجز في الرّؤية السّياسيّة الواضحة لإدارة المرحلة المقبلة لدى رئيس الحكومة المكلّف بدوره (الآتي بعد ستّ سنواتٍ من الصّمت، والّذي بالحدّ الأدنى في الشّهرين الأخيرين اللّذين تليا السّابع عشر من تشرين الأوّل لم ينطق بتصريحٍ أو بيانٍ أو مؤتمرٍ ليحدّد موقفه ممّن يتحمّل مسؤوليّة الانهيار الّذي نحن فيه، ورأيه من الانتفاضة الشّعبيّة، أو ليوضّح مقاربته للحلّ والخطوات الّتي يراها ضروريّةً للخروج من الأزمة).
كيف يمكن، إذًا، أن تصبح الأولويّة لإعطائه فرصةً بمجرّد تكليفه الخروج عن صمته بهدف تأليف الحكومة؟
كما نضيف، إلى جانب صمته الانتهازيّ، إدراكنا أمرين اثنين عنه لا غير:
الأوّل، أنّه جاء خيارًا من قبل بعض أطراف السّلطة لرئاسة الحكومة، بعد استنفاد خياراتٍ أخرى كلّها بعيدةً من المواصفات الّتي تعبّر عن تطلّعات الشّارع.
الثّاني، أنّه وزير تربيةٍ سابقٍ، اختاره نجيب ميقاتي من ضمن حصّته لدى تأليفه لحكومة عام 2011 ؛ تلك الحكومة الّتي كانت واحدةً من إحدى أسوإ حكومات العقد الأخير، تحديدًا في أدائها الماليّ؛ فلم تعد تكلّف نفسها عناء الاحترام الشّكليّ لموجبات الدّستور وتوقّفت عن إرسال الموازنات أصلًا إلى مجلس النّوّاب. وهي الّتي رفضت احترام الموجبات القانونيّة برفع الحدّ الأدنى للأجور و قذفت بمشكلة سلسلة الرّتب والرّواتب للحكومات اللّاحقة. دون أن ننسى عمليّات الشّعوذة بالإنفاق، كسحر تمويل المحكمة الدّوليّة دون العودة إلى مجلس الوزراء، بل بتأمين الدّفع من حساب الهيئة العليا للإغاثة!
لم يعترض دياب على أيٍّ من هذه الشّعوذات يومها، بل آثر طباعة كتاب الألف صفحةٍ عن إنجازات البروفيسور الصّوريّة؛ في حين أنّ مخالفة الدّستور والقانون، لا تحتاج لنظريّاتٍ سياسيّةٍ معمّقةٍ نحتاجها اليوم. حتّى حامل صفة التّكنوقراط والأكاديميّ، لا تشتبه عليه.