هكذا نُنهب

هكذا نُنهب

رسم أحمد عامر

رشا أبو زكي

منظومةٌ متكاملةٌ تغذّي طبقةً مافيويّةً
مليارات الدّولارات نهبت. مسارٌ طويلٌ من سياساتٍ نقديّةٍ وماليّةٍ تدور حول مبدإٍ واحدٍ: زيادة ثروات الأقلّيّة عبر سرقتها من جيب الأكثريّة. مصارف تجمّع حوالي ١٩٠ عائلة. لا أكثر في مجالس إدارتها، وكبار المساهمين فيها يسيطرون على ودائع اللّبنانيّين وحساباتهم الماليّة. مصارف كبرى تحت يد الزّعامات الحزبيّة، حقّقت أرباحها الفائقة من فوائد ضخمةٍ وصلت إلى ٣٥% مقابل إغراق الدّولة بديونٍ تعدّت الـ١٢٠ مليار دولار.
وبعد تراجع الفوائد، وانخفاض نسبة أرباحها، دخلت المصارف بغطاءٍ سياسيٍّ ومحاصصاتيٍّ هندساتٌ ماليّةٌ خطّها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لتعويض هذا الانخفاض بفوائد مركّبةٍ تعيد إدخال المصارف إلى نعيم الفوائد، وتسرّع بإدخال لبنان كلّه في جحيم الأزمة النّقديّة.
وعلى ضفّة المصارف، تسيطر الطّبقة ذاتها على كبرى الشّركات العقاريّة الّتي استفادت من إعفاءٍ ضريبيٍّ لتعزيز مضارباتٍ أوصلت أسعار العقارات والشّقق السّكنيّة إلى مستوياتٍ ضخمةٍ تفوق قدرة اللّبنانيّين الشّرائية. وهو ما يدفع هؤلاء إلى المصارف من جديدٍ، ليصبح الاقتراض منها الحلّ الأوحد أمام الطّبقة الفقيرة والمتوسّطة لتملّك مسكنٍ.
ومن شبابيك المصارف ذاتها، تطلّ عليها شركات التّأمين الكبرى. تفرض نفسها كممرٍّ إلزاميٍّ للحصول على قرضٍ سكنيٍّ أو عقاريٍّ أو قرض سيّارةٍ وحتّى قرض شخصٍ. يُلزم المواطنون بالدّفع لهذه الشّركات، بعقودٍ منحازةٍ بالكامل لصالحها. يضاف إلى ذلك امتناع الطّبقة ذاتها عن إقرار الضّمان الشّامل للّبنانيّين وضمان الشّيخوخة، لصالح شركات التّأمين، الّتي تفرض آلاف الدّولارات على المواطنين لقاء تأمين التّغطية الصّحّيّة والاستشفائيّة.
أموال التّأمين هذه، المأخوذة من جيب المواطنين، تذهب دعمًا لمستشفياتٍ خاصّةٍ يمتلك عددًا كبيرًا منها سياسيّون وأحزابٌ ضمن طبقة النّهب ذاتها. سياسيّون وأحزابٌ يمتنعون عن دعم الاستشفاء العامّ، لا بل يتعمّدون تخريب المستشفيات الحكوميّة لوضع المواطنين خلال أقصى لحظات ضعفهم إمّا أمام خيار الذّلّ على أبواب المستشفيات الخاصّة، أو بالدّخول في المنظومة عبر شركات التّأمين.
إلى جانب السّيطرة على النّقد وأموال اللّبنانيّين ومسكنهم وحياتهم ومماتهم، تقبض الطّبقة المافيويّة ذاتها على أسواق اللّبنانيّين باحتكاراتٍ ضخمةٍ، تؤمّن لها هوامش أرباحٍ تتراوح من ١٠٠ إلى أكثرٍ من ٣٠٠%. ويأتي ذلك بالتّزامن والتوازي مع إضعافٍ متعمّدٍ لكلّ الأجهزة الرّقابية، وتعطيلٍ قسريٍّ لكلّ قانونٍ أو قرارٍ يكسر هذه الاحتكارات، من قانون المنافسة الممنوع من الإقرار، مرورًا بالوكالات الحصريّة وصولًا إلى تجميد العمل بقانون تحديد هوامش الأرباح…
وهذه الاحتكارات ليست بسيطةً؛ فهي تتحكّم بكلّ السّلع الحيويّة للّبنانيّين، من محروقاتٍ وقمحٍ وأدويةٍ، مرورًا بالسّلع الغذائيّة وصولًا إلى الأدوات الكهربائيّة والموادّ الزّراعيّة وكلّ ما يتعلّق بالحياة اليوميّة للمواطنين.
دائرة التّحكّم بالبلد وسكّانه ليست كافيةً للطّبقة المافيويّة، لتسيطر أيضًا على مستقبل أجياله. جامعاتٌ خاصّةٌ موزّعةٌ حزبيًّا ومذهبيًّا، ترفع أقساطها لتذلّ شباب لبنان وشابّاته بما يعرف بالمنحة الحزبيّة، في مقابل هدم التّعليم الرّسميّ منهجيًّا. والتّعليم العامّ هنا لا يخرج من النّطاق المافيويّ، لتسيطر الأحزاب ذاتها على كلّيّات الجامعة اللّبنانيّة، عابثةً بمصير من لا يمتلك ثروةً ليدخل نعيم الجامعات الخاصّة، وتصبح الواسطة والقمع والخطاب المذهبيّ والحزبيّ رسوماتٍ وأعلامًا ومحاضراتٍ وأغانٍ وممارساتٍ يوميّةً. تصوّر للأجيال المارّة في هذه الصّروح أّن هذه المشاهد وهذه الانقسامات وهذه الانحيازات والوساطات هي “الوضع الطّبيعيّ” الّذي يجب تقبيله للدّخول في المنظومة بعد التّخرّج للوصول إلى سوق العمل.
وسوق العمل أيضًا في قبضة طبقة المافيات. فمؤسّسات الدّولة تحوّلت إلى شركاتٍ خاصّةٍ لدى الزّعامات والأحزاب؛ عبرها، تتمّ التّوظيفات السّياسيّة لاستكمال حلقة الزّبائنيّة ولكن من أموال الخزينة العامّة ليصبح اللّبنانيّون كلّهم مموّلين لهيمنة الحزب والمذهب والطّائفة، ومموّلين لاستدامة منظومة النّهب وتكديس ثروة الطّبقة المافيويّة.
ولا تخرج من إطار شبكة التّبعيّة والاستزلام، جمعيّاتٌ موزّعةٌ على الكلّ – من أقصى الشّمال إلى أقصى الجنوب. فالجبل والبقاع، يتغذّيان من الموازنة العامّة، ليقدّمان خدماتٍ للمواطنين باسم الحزب والطّائفة والمذهب.
وفوق السّيطرة على البلد كلّه، بمقدّراته ومؤسّساته وقضائه وأمنه، تهيمن طبقة المافيات ذاتها على السّوق السّوداء، استيرادًا وتوزيعًا وتوسيعًا لأسواق المولّدات الكهربائيّة وشركات تعبئة المياه والسّيتارنات الجوّالة، مرورًا بالإنترنت غير الشّرعيّ والتّهريب والتّزوير والغشّ.
“لبنان بلد منهوب” ليس شعارًا، إنّما هو واقعٌ فعليٌّ في بلدٍ تعتقله مافياتٌ عتيقةٌ، تحوّل اللّبنانيّين إلى ماكيناتٍ لزيادة ثرواتها، وإلى أدواتٍ لتعميم هيمنتها، وإلى جثثٍ في حروب الشّوارع لتأمين ديمومة ظلمها.

نموت ليحيا الزّعيم

بالأرقام والبيّنات، تضمّ طبقة المافيات ٨٩٠٠ شخص فقط يسيطرون على نصف الثّروة الوطنيّة المقدّرة بـ ٩١ مليار دولار. وهي طبقةٌ تمتلك شركاتٍ تعدادها بالمئات فقط، تسيطر على ٦٠% من الأسواق اللّبنانيّة عبر الاحتكار، لتتحكّم بأكثر من ٣٠ مليار دولار من الاستهلاك. طبقةٌ تضمّ ألف مستوردٍ فقط يسيطرون على ٩٠% من مجموع المستوردات اللّبنانيّة. هي طبقةٌ محميّةٌ قانونيًّا بما يعرف بالوكالات الحصريّة الّتي تضمّ ٢٠٠ شركة تسيطر على آلاف الوكالات الحصريّة لاستيراد سلعٍ تطال كلّ ما يحتاجه اللّبنانيّون في حياتهم اليوميّة من السّيّارات وصولًا إلى الأسمدة الزّراعيّة.
هي طبقةٌ فيها ما لا يزيد عن ١٩٠ عائلة لبنانيّة تسيطر على مجالس إداراتٍ وأسهمٍ وملكيّة المصارف العاملة في لبنان. هي طبقة فيها ١٤ شركة فقط، تسيطر على استيراد المحروقات. هي طبقةٌ فيها ١٤ شركة تسيطر على استيراد القمح، وبالتّالي على رغيف الفقراء. هي طبقةٌ أنفقت خلال ٢٠ عامًا أكثر من ٣٨ مليار دولار على الكهرباء المقطوعة، وأجبرت اللّبنانيّين على دفع أكثر من ٣٤ مليار دولار لعصابات مولّدات الكهرباء، وساهمت في خسارة اقتصادنا أكثر من ١٢٠ مليار دولار بسبب انعكاسات انقطاع الكهرباء على القطاعات الاقتصاديّة والاستثمارات.
هي طبقةٌ حصّلت أكثر من ٢٦ مليار دولار من قطاع الاتّصالات لتقدّم خدمةً رديئةً بأعلى كلفةٍ في العالم. هي طبقةٌ أنفقت من الموازنات العامّة بين عامي ١٩٩٣ و٢٠١٩ أكثر من ٢٧٠ مليار دولار من دون أيّة رقابةٍ أو محاسبةٍ.
هي طبقةٌ تستفيد من التّهرّب الجمركي ّبقيمة ١.٩ مليار دولار سنويًّا، ومن التّهرّب الضّريبيّ بقيمة ١.٥ مليار دولار سنويًّا. هي طبقةٌ سرقت الشّاطئ العامّ والأملاك النّهريّة والمشاعات. هي طبقةٌ تدفع ملايين الدّولارات إيجاراتٍ، في حين تمتلك مئات العقارات والأبنية الفارغة. هي طبقةٌ تحاصصت أكثر من ١٦ مليار دولار عبر مجلس الإنماء والإعمار على مشاريع لم تسهم بتحسين معيشة اللّبنانيّين، ولم تعفهم من الغرق كلّ شتاءٍ بسبب الفساد في مشاريع الطّرقات.
هي طبقة الـ ١% الّتي تسرق دماء ومعيشة وجيب ١.٥ مليون لبنانيّ يعيش تحت خطّ الفقر. ومليون و٤٦٠ ألف شخص يؤلّفون جيش العاطلين عن العمل. هي طبقةٌ بنت اقتصادًا لا يولّد سوى الفقر للأكثريّة والقصور والثّروات للأقليّة.