فليسقط مجلسٌ نهب لبنان

 فليسقط مجلسٌ نهب لبنان

تصوير بدر صفدي

ربيع جميل

تحالف المقاولين وأمراء الحرب والمصرفيّين.

حُكِم لبنان، ما بعد الطّائف، عبر نظامٍ ثلاثيّ الرّؤوس. تشكّل من تحالف رجال الأعمال (المقاولين خصوصًا)، أمراء الحرب والمصرفيّين. كوّن هذا الثّلاثّي ما يمكن تسميته بمجلس إدارة نهب لبنان والّذي أشرف، تحت سلطة الوصاية السوريّة ومشاركتها، بشكلٍ مباشرٍ على عمليّة إعادة الإعمار ووضع الأسس لنموذج الاقتصاد الرّيعيّ الّذي نشهد اليوم انهياره.

كان توزيع الأدوار بين اللّاعبين الثّلاثة واضحًا ومحدّدًا. تعهّد المقاولون إعادة الإعمار، فأسّسوا لبلادٍ تشبههم. فكان ما يمكن تسميته بنموذج النّموّ الاقتصاديّ للكيلومتر المربّع الواحد، حيث تُسخَّر كلّ مقدرات البلاد لتنمية رقعةٍ جغرافيّةٍ محدّدةٍ تتركّز فيها كلّ الخدمات والثّروة. فبيروت، المدينة العريقة للمستقبل كما رُوّج لها في مطلع التّسعينات، تحوّلت لمدينةٍ تطاردني. الفقراء، لا تستقبلهم إلّا كأيدٍ عاملةٍ رخيصةٍ وبالحدّ الأدنى من الضّمانات. فاختزل لبنان ببيروت وبيروت بسوليدير وسوليدير بشوارع المطاعم والمصارف. وسُمّي الفساد هدرًا والعقود بالتّراضي برّرت بالفعاليّة حتّى أصبح لبنان مضربًا مثل في الأكاديميّة باعتماد مصطلح الفساد المحفّز للنّموّ.

بدورهم، استهدف أمراء الحرب بنيان الدّولة، فحوّلوها لمناطق نفوذٍ أعادت تدوير أجهزة التّشبيح والخوّات الخاصّة بهم والّتي طوّروها خلال فترة الحرب الأهليّة. هكذا، أصبحت الإدارات والمؤسّسات الحكوميّة محميّاتٍ لأمراء الحرب السّابقين ورجالات الدّولة والتّشريع الحاليّين. وهكذا أيضًا، جرى الانتقال من مفهوم الدّولة الحامية للصّالح العامّ إلى تلك الّتي تحمي مناطق النّفوذ والمحاصصة وتعيد إنتاج علاقات القوّة المتحكمّة بحياة النّاس.

من جهّتهم ، قام المصرفيّون بتمويل عمليّتي إعادة الإعمار وتوسيع الجسم التّنفيذيّ للدّولة/ القطاع العامّ عبر الاستثمار بسندات الخزينة وبفوائد مرتفعةٍ جدًّا؛ ما مكّنهم من تحقيق عوائد ضخمةٍ شكّلت أكثر من ثلث الإنفاق العامّ بين ١٩٩٣- ٢٠٠٣. وتشير الأرقام إلى تسجيل حوالي ٢٢ مليار دولار كأرباحٍ صافيةٍ بين عامي ١٩٩٣ و٢٠١٨. هكذا، تحوّل الدّين العامّ إلى دجاجةٍ تبيض ذهبًا للمصارف وأصحابها. وهكذا، تمكّنت المصارف من استقطاب أموال اللّبنانيّين المقيمين والمغتربين لاستخدامها في عمليّة تمويل نهب لبنان. كما أغرقت البنوك، وبدعمٍ من المصرف المركزيّ، المجتمع اللّبنانيّ بعشرات الآلاف من القروض. فهناك حوالي ١٣١ ألف أسرة لبنانيّة تعيش تحت عبء القروض العقاريّة، في حينٍ وصل عدد القروض الاستهلاكيّة المباشرة لحوالي ٣٧٣ ألف قرض؛ عدا عن قروض التّعليم وشراء السّيّارات والمفروشات.

بالمقابل، كان هناك التّكنوقراط الاقتصاديّ والماليّ (حاكميّة مصرف لبنان على سبيل المثال) الّذين أمّنوا البنى التّحتيّة لمجمل عمليّة النّهب. بالإضافة إلى ورشة نظام ما قبل الحرب الأهليّة من أصحاب الوكالات الحصريّة وكبار الملّاك العقاريّين الّذين دفعوا بقوّةٍ لتوسيع الاقتصاد الاستهلاكيّ (تكبير فاتورة الاستيراد) وتعظيم القطاع العقاريّ. بالمحصّلة، وبعد ٣٠ سنة، تداخل أطراف حكم لبنان فيما بينهم، وخير دليلٍ على هذا هو استلام مصرفيّين لمناصب حكوميّةٍ وتملّك المقاولين وأمراء الحرب السّابقين حصصًا في المصارف.

نجح هذا النّظام، منذ العام ١٩٩٢ حتّى اليوم، بالتّكيّف مع الأزمات والتّحوّلات الماليّة الّتي عصفت به حتّى أنّه تخطّى جريمة اغتيال الأب المؤسّس في آذار من العام ٢٠٠٥ وما تبعها من خروج الجيش السّوريّ واحتدام الصّراع الإقليميّ في لبنان، وصولًا للعمليّة العسكريّة في ٧ آيّار والّتي أنتجت اتّفاق الدّوحة. خلال هذه الفترة، كان المال السّياسيّ الخارجيّ يأتي على شاكلة مؤتمراتٍ مانحةٍ أو ودائع مصرفيّةٍ أو مالٍ يدفع مباشرةً في لحظات الاستقطاب السّياسيّ كالانتخابات مثلًا، الرّئة الّتي يتنفّس عبرها. هكذا، جرى تخطّي أزمة النّموّ الاقتصاديّ وفشل خّطة النّهوض الحريريّة في أواخر التّسعينات وتفادي شبح الإفلاس في مطلع الألفيّة؛ بالإضافة إلى تعويض الخسائر الّتي تكبّدتها البلاد بسبب العدوان الإسرائيليّ المتكرّر.

ما الّذي حصل إذًا؟ ولماذا تعطّلت ماكينة نظام النّهب؟ الجواب بسيطٌ. منذ سنواتٍ قريبةٍ، بدأت ملامح الخلل البنيويّ بالظّهور للعلن مدفوعةً بتراجع المال السّياسيّ الخارجيّ نتيجة انشغال اللّاعبين بمشاكلهم الدّاخليّة (تقلّبات أسعار النّفط والعقوبات والحروب المتعدّدة على امتداد الإقليم مع ارتفاع فاتورة التّسلّح). هنا، يجب التّنبيه إلى الأثر التّدميريّ الّذي خلّفته أزمة استقالة سعد الحريري من الرّياض وما تبعها من تدهورٍ في المؤشّرات الماليّة. بالإضافة إلى انكشاف القطاع المصرفيّ الكبير على دينٍ عامٍّ مرتفع المخاطر مع تعثّرٍ اقتصاديٍّ كبيرٍ مدفوعٍ بالأزمة السّوريّة والتّراجع الحادّ بمعدّلات التّصدير، فأصبح بالإمكان اختصار المشهد. ويدفع خدمة الدّين العامّ، الّذي يملك هو جزءًا منه، عبر المصارف والسّندات. في الوقت عينه، كانت نفقات الدّولة تتّسع في حين جرت المحافظة على نظامٍ ضريبيٍّ يحابي قطاعي المصارف والعقارات ويدفع بالثّقل الضّريبيّ على كاهل اللّبنانيّين.

ما العمل إذاً؟ بعد ١٧ أكتوبر أصبحت هناك إمكانيّةٌ حقيقيّةٌ بأن يقوم الشّعب بفرض أجندته ويطالب بالمحاسبة الضّروريّة لمعرفة كيف نُهب لبنان؟ أين المال المنهوب؟ أين ودائع اللّبنانيّين؟ كيف استحصل السّياسيّون والمصارف على الأرباح من الدّين العامّ؟ للإجابة على هذه الأسئلة، هناك سبيلٌ وحيدٌ. فتحقيقٌ قضائيٌّ في مجمل الحسابات الماليّة للدّول بما يضمن حقوق اللّبنانييّن في استعادة الأموال المنهوبة وتحديد المسؤوليّات والمحاسبة. هذا وحده سيمكّننا من إعادة تشكيل السّلطة على أسس المواطنة والعدالة الاجتماعيّة.

ختامًا، كلّما غالت السّلطة بالهجوم المضادّ على الثّورة، لا مناص من تجذير الخطاب الطّبقيّ والتّوجّه نحو المصارف، القلب النّابض لنظام النّهب والمركز القابض على مدّخرات اللّبنانيّين والّذي يذلّهم يوميًّا ويتحكّم بأبسط معايير عيشهم.